الشرق الأوسط المفكك: خمسة قرون من الرأسمال والاستعمار والتقسيم
إن الربط بين الرأسمالية والاستعمار ومشروع "الشرق الأوسط" ليس ترفًا أو اعتباطًا، بل ضرورة لفهم البنية العميقة التي تحكم منطقتنا العربية. "فهذه الثلاثية لم تلتقِ صدفة، بل وُلدت من رحم واحد"، فالرأسمال الأوروبي وإن كان وُلد داخل القارة الأوروبية، فإنه نما وترعرع خارجها بحثًا عن التراكم الرأسمالي.
وبسقوط الإقطاع وصعود البرجوازية في أوروبا مع إطلالة العصور الحديثة، تحولت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج إلى أيديولوجيا عقدية. ولأن "الرأسمال الوليد اختنق داخل أسوار أوروبا" وفق توصيف البعض، فقد كان لا بد من فضاء جديد. فجاء عام 1492م فاتحًا لبابين معًا: سقوط غرناطة واكتشاف الأمريكتين. أفضى ذلك إلى تدفُّق الذهب الأمريكي على شبه الجزيرة الأيبيرية (إسبانيا والبرتغال)، فخلق "أول تضخم نقدي عرفه التاريخ" وفق بعض الدارسين. وبعده بخمس سنوات، التف البرتغاليون حول رأس الرجاء الصالح ووصلوا إلى الهند لكسر احتكار تجار مدينة البندقية للتوابل.
عند هذه المحطة المفصلية من التاريخ الأوروبي وُلد الاستعمار الحديث، ولم يكن مشروعًا تنويريًا تمدينيًا كما ادعى مسوِّقوه للتغرير على الشعوب المستعمَرة، بل كان "الذراع المسلحة للرأسمال التجاري". في هذا السياق، لم تكن "شركات الهند الشرقية" البريطانية والهولندية والفرنسية شركات بالمعنى الحديث، بل دولًا كاملة السيادة، تمتلك عملة وجيوشًا وأساطيل وتُعلن الحرب والسلم. مهمتها واحدة، هي: تأمين المواد الخام بأبخس الأثمان، وفتح أسواق لتصريف الفائض السلعي.
ومع انبلاج فجر الثورة الصناعية في بريطانيا في مطلع القرن الـ19م، تحوّل الرأسمال من تجاري إلى صناعي. وتطلَّب ذلك بالضرورة إيجاد أسواق لبيع منتجاته. لهذا تمدد الاستعمار من "ثغور ساحلية إلى احتلال شامل". وعند هذه الإشكالية، صاغ ضابط البحرية الأمريكي "ألفريد ماهان" مصطلح "الشرق الأوسط" لأول مرة عام 1902م وفق ديفيد فرومكين(1)، لم يكن وصفًا جغرافيًا بريئًا، بل مصطلحًا جيو-عسكريًا يعني: المنطقة الواقعة بين الهند والجزيرة العربية، بوصفها منطقة جيوستراتيجية حيوية، من يسيطر عليها يسيطر على العالم.
في هذا السياق، لم يكن كلٌ من سايكس بيكو 1916م ووعد بلفور 1917م يمثِّل نقطة البداية، بل "تتويجًا لمخطط الشرق الأوسط". الأول قسم الجسد العربي بالمسطرة ليضمن بقاءه ضعيفًا وممزقًا. والثاني زرع "كيانًا وظيفيًا" في قلبه، مهمته المعلنة حماية مصالح الغرب، والمهمة غير المعلنة منع أية وحدة عربية تهدد المصالح الغربية في المنطقة، وتؤثر على سلاسل إمدادات الطاقة العالمية.
بقي مفعول تقسيم المنطقة ساريًا إلى مابعد الحرب العالمية الثانية، "حيث انتقلت وراثة الاستعمار من لندن وباريس إلى واشنطن". وبرغم هذا الانتقال فإن قاعدة المصالح الرأسمالية ظلت ثابتة لم تتغير، ولو كان الثمن تفكيك الدول. ففي عام 1983م أقرّ الكونغرس الأمريكي في جلسة سرية مشروع المستشرق البريطاني برنارد لويس لتفكيك المنطقة. يتمثل جوهر المشروع في أن مساحة الدول العربية كبيرة جدًا ومتماسكة، بحيث تشكل خطرًا على المصالح الغربية. والحل هو إعادتها إلى كانتونات عرقية وطائفية يسهل التحكم بها. أبرز ملامح المشروع:
- مصر: تُقسم إلى 4 دويلات: سيناء تحت النفوذ الإسرائيلي، دولة قبطية من الإسكندرية لأسيوط، دولة نوبية من أسوان تمتد للسودان، ودولة إسلامية في القاهرة تحت الوصاية.
- السودان: 4 دويلات: نوبية، شمالية مسلمة، جنوبية مسيحية، ودارفور الغنية باليورانيوم والذهب.
- المغرب العربي: تفكيك ليبيا والجزائر والمغرب لصالح دولة بربرية كبرى تمتد من المحيط إلى البحر الأحمر، مع دويلات ساحلية ضعيفة.
لم يبقَ هذا المخطط حبرًا على ورق. فلويس نفسه كان المستشار الأبرز لبوش الابن ووزير خارجية بلاده "ديك تشيني" أثناء غزو العراق 2003م. وفي مقابلة عام 2005م صرح لويس بوقاحة: "العرب فوضويون لا يمكن تحضيرهم. الحل هو إعادة احتلالهم وتدمير ثقافتهم وتقسيمهم لعشائر وطوائف... إما أن نضعهم تحت سيادتنا أو ندعهم يدمرون حضارتنا"(2).
هذا هو الأساس النظري لما سمته كوندوليزا رايس عام 2006م "الفوضى الخلاقة" و"آلام مخاض الشرق الأوسط الجديد".
إن غزو العراق لم يكن بحثًا عن سلاح دمار شامل كما رُوِّج له، وانكشف أمره، بل "كان التطبيق العملي الأول لمشروع لويس، وهو تفكيك أكبر دولة عربية مركزية". وما نشهده في سوريا وليبيا واليمن والسودان هو الصفحات التالية من الأجندة نفسها.
ومع إطلاق الصين لمشروع "الحزام والطريق" عام 2013م، دخلت المنطقة فصلًا جديدًا من تاريخها المعاصر. فالمشروع يُحيي طريق الحرير التاريخي ليربط موانئ آسيا بإفريقيا وأوروبا عبر الشرق الأوسط(3).
وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام "نظام عالمي متعدد الأقطاب يكسر هيمنة الرأسمالية الغربية"، كما هو المأمول؟ أم أننا أمام "رأسمالية صينية جديدة تبحث عن أسواق ومواد خام بنفس منطق شركة الهند الشرقية، ولكن بأدوات ناعمة"؟
إن مسار الخمسة قرون الماضية يُثبت حقيقة واحدة: "أن الاستعمار ليس حدثًا انتهى بخروج الجيوش، بل بنية مستمرة تتغير أقنعتها". فبالأمس كانت شركة الهند الشرقية، واليوم مشروع الشرق الأوسط الجديد، وغدًا قد يكون الحزام والطريق. يتغير القناع، لكن جوهر القانون الرأسمالي ثابت، وهو البحث الدائم عن التراكم الرأسمالي، عبر السيطرة على الموارد والأسواق، ومنع ظهور أية قوة إقليمية مستقلة قد تعرقله.
ومن هذا المنطلق، فإن الرأسمالية والاستعمار وجهان لعملة واحدة: فـ"الاستعمار هو السياسة الخارجية الحتمية لأي نظام رأسمالي وصل مرحلة الفائض".
ومِن المرجح أن الشرق الأوسط بوصفه مشروع سياسي-عسكري، هو مصطلح وُلد في بداية القرن الماضي سواء في عام 1902م على يد "ألفريد ماهان" كما ذكر ديفيد فرومكين أو في مؤتمر كامبل بنرمان 1905-1907م الذي دعا إليه رئيس الوزراء البريطاني، ونتج عنه توافق كبار القادة الغرب على إقامة دولة حاجزة في المشرق العربي هي "الكيان الصهيوني" لإبقاء المنطقة تحت الهيمنة الغربية، وتبرير التعامل معها كوحدة مُفككة خاضعة للوصاية(4). كما أن التقسيم هو استراتيجية دائمة: بدءًا من سايكس بيكو مرورًا ببرنارد لويس وانتهاءً بالفوضى الخلاقة وإن شئنا "الخنَّاقة". فالهدف واحد بالمحصلة: دويلات طائفية وعرقية ضعيفة وفي حالة نزاع، لا تهدد الكيان الصهيوني، وتظل سوقًا للسلاح والديون.
ومن الجدير بالذكر أن "صعود الصين يعد فرصة وخطر معًا، فرصة لكسر الاحتكار الغربي، وخطر إن استبدلنا تبعية بتبعية دون بناء مشروع نهضوي إنتاجي عربي مستقل".
والسؤال الأهم ليس هل سينجح الحزام الصيني؟ بل هل نملك نحن مشروعًا عربيًا نضعه على الطاولة؟ التاريخ لا يرحم. "فإن لم نكتب نحن روايتنا، سيكتبها لنا برنارد لويس جديد".
--------------------------
(1) ديفيد فرومكين: نهاية الدولة العثمانية وتشكيل الشرق الأوسط، بغداد، دار صفحات للنشر والتوزيع، ط1، 2015م، ص203.
(2) من دراسة للباحث بعنوان: القضية الفلسطينية من مؤتمر كامبل بنرمان 1905م إلى اتفاق أوسلو 1993م، نُشِرت في مجلة دراسات تاريخية، كلية التربية، جامعة البصرة، العدد1، 2025م، ص154.
(3) من ورقة للباحث حول: أهمية طريق الحرير في العلاقات اليمنية الصينية، قدمت إلى ندوة "العلاقات اليمنية الصينية"، صنعاء، فندق تاج سبأ، 2013م.
(4) الباحث: القضية الفلسطينية من مؤتمر كامبل بنرمان إلى اتفاق أوسلو، ص142.
