الإثنين 25 مايو 2026
  • الرئيسية
  • بين عدالة القضية وخطورة التحول إلى صراع هوية

بين عدالة القضية وخطورة التحول إلى صراع هوية

منذ حرب صيف 1994م دخل اليمن مرحلة سياسية واجتماعية معقدة، ما تزال آثارها تتوسع حتى اليوم. فقد لم تكن تلك الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية أعادت تشكيل العلاقة بين الشمال والجنوب، وأنتجت واقعًا جديدًا تراكمت فوقه الأزمات والانقسامات ومشاعر الغبن والاقصاء.


في ذلك الوقت كان الصراع في جوهره صراعًا سياسيًا على السلطة والنفوذ بين منظومتين حكمتا اليمن بعد الوحدة؛ المؤتمر الشعبي العام الذي امتلك نفوذ الدولة العميقة والقبيلة والمؤسسة العسكرية، والحزب الاشتراكي اليمني الذي كان يمثل القوة الحاكمة في الجنوب. ومع تعقّد المشهد دخلت التحالفات المناطقية والسياسية على خط المواجهة، ووجدت بعض الأطراف نفسها تتحالف مع السلطة المركزية ضد خصومها الداخليين، الأمر الذي ترك جروحًا عميقة لم تندمل حتى اليوم.
بعد انتهاء الحرب لم تُبنَ شراكة وطنية حقيقية تعالج آثار الصراع، بل نشأت حالة من الشعور بالقهر والتهميش لدى قطاعات واسعة في الجنوب، تراكمت مع السنوات حتى انفجرت في صورة احتجاجات وحراك سياسي منذ عام 2007م، رافعًا مطالب حقوقية وسياسية أخذت تتوسع تدريجيًا مع تصاعد الاحتقان الشعبي.
ومع اندلاع  بدا وكأن اليمنيين أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة الدولة على أسس جديدة، وإنهاء منظومة النفوذ التقليدية التي حكمت البلاد لعقود. حينها ظهرت إمكانية حقيقية لتوحيد الجهود الوطنية ضد الاستبداد والفساد وبناء دولة مواطنة تتجاوز ثنائيات الشمال والجنوب والطائفة والمنطقة.
غير أن تلك اللحظة سرعان ما دخلت في متاهات الصراع الإقليمي والدولي، واختلطت الحسابات الداخلية بأجندات الخارج، فتحولت المعركة تدريجيًا من مواجهة سياسية ضد منظومة حكم إلى صراع هويات متشظٍ. ومع توسع الحرب والانهيار، تصاعد خطاب الكراهية والتعبئة المناطقية، وأصبح الانقسام المجتمعي أكثر عمقًا من أي وقت مضى.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالقضايا العادلة يمكن أن تفقد عدالتها عندما تتحول من مشروع إنصاف سياسي إلى مشروع عداء مجتمعي. والفرق كبير بين مقاومة التهميش أو المطالبة بالحقوق، وبين تحويل الصراع إلى خصومة مع شعب كامل أو منطقة كاملة. لأن المعارك المناطقية لا تنتج دولة مستقرة، بل تنتج أجيالًا مشحونة بالخوف والثأر والكراهية.
كما أن القوى الإقليمية والدولية لا تنظر عادة إلى الأزمات من زاوية العدالة بقدر ما تنظر إليها من زاوية المصالح والنفوذ والسيطرة على الممرات الحيوية والمواقع الاستراتيجية. واليمن بحكم موقعه الجغرافي، ووجود باب المندب كأحد أهم الممرات البحرية في العالم، ظل دائمًا ساحة مفتوحة للتجاذبات الدولية. ولهذا فإن استمرار الانقسام الداخلي يفتح الباب واسعًا أمام مشاريع الهيمنة والتدخل الخارجي مهما اختلفت شعاراتها.
إن أخطر ما يمكن أن يصل إليه اليمنيون اليوم هو أن يقتنع كل طرف بأن خلاصه لا يتحقق إلا بإلغاء الآخر. فالدول لا تُبنى بالكراهية، ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا كان قائمًا على تمزيق النسيج الاجتماعي أو شيطنة المكونات الوطنية المختلفة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الجميع خسروا من استمرار الصراع، شمالًا وجنوبًا، وأن الشعوب لا تنتصر عندما تتحول إلى أدوات في صراعات النفوذ الإقليمية والدولية. وما يحتاجه اليمن اليوم ليس مزيدًا من التحريض والانقسام، بل مراجعة شجاعة تعيد تعريف المعركة باعتبارها معركة دولة وعدالة وكرامة وإنسان، لا معركة مناطق وهويات متصارعة.
فاليمن الذي أنهكته الحروب لا يحتمل مزيدًا من التشظي، وأي مستقبل آمن لن يُبنى إلا على الاعتراف المتبادل، والشراكة العادلة، ورفض تحويل الخلافات السياسية إلى عداوات تاريخية بين أبناء الوطن الواحد.