صنعاء 19C امطار خفيفة

أقلامٌ بـ"أنياب" قانونية: هل يكتب الإعلاميون اليمنيون نهاية زمن الإفلات من العقاب؟

"حين تتحول التقارير الصحفية إلى عرائض اتهام، وتستبدل الكاميرا عدستها بمطرقة القضاء؛ يبدأ فصلٌ جديد من المواجهة في اليمن. لم يعد الإعلامي الشاب يكتفي برصد الانتهاك، بل قرر جرّ "النافذين" إلى عقر دار القانون، محولًا معركة الوعي من فضاء الهاشتاجات العابرة إلى اشتباك حقوقي داخل أروقة المحاكم…".


لم يعد المشهد الإعلامي في اليمن مقتصرًا على نقل تفاصيل الحرب ورصد الانتهاكات الميدانية؛ إذ برز مؤخرًا جيل من الصحفيين الشباب الذين تجاوزوا دور "الناقل" للخبر ليدخلوا معترك المواجهة القانونية المباشرة. فبعد سنوات من الاكتفاء بتوثيق التضييق أو رصد ملفات الفساد، قرر هؤلاء الإعلاميون اقتحام أروقة المحاكم وتقديم دعاوى قضائية ضد أشخاص يتبعون جهات نافذة؛ في خطوة تعكس تحولًا جذريًا في أدوات الصمود الصحفي، وقدرة فائقة على المناورة داخل مؤسسات الدولة لانتزاع الحقوق المسلوبة.
وعلاوة على ذلك، فإن هذا التحرك المهني بات يرتكز على قناعة راسخة مفادها أن التضامن الرقمي والحملات الإعلامية -رغم أهميتها الرمزية- لم تعد كافية لردع المنتهكين أو لجم التجاوزات. وبناءً على هذا التصور، اتجه الصحفي اليمني نحو إعادة هندسة مخرجاته المهنية؛ فلم يعد التحقيق الاستقصائي مجرد مادة للنشر العابر، بل استحال إلى "عريضة دعوى" مدعومة بالأدلة الدامغة والقرائن القانونية. ومن خلال هذا النهج، تحول القلم من أداة للوصف السردي إلى وسيلة للتشريح القانوني، حيث يُحشر الجناة في زاوية الاستحقاقات القضائية التي تجبرهم على الدفاع عن أنفسهم في ساحة رسمية، بعيدًا عن حصانة النفوذ أو ضجيج الشعارات السياسية.
بيد أن هذا التوجه الجريء يفتح الباب أمام تساؤل جوهري حول جدوى المواجهة في بيئة معقدة؛ فهل هي بحث عن عدالة مطلقة، أم "استراتيجية اشتباك" يستخدم فيها الإعلاميون القضاء كمنصة لتعرية الخصوم؟ في الواقع، يشير الحراك الميداني إلى أن الإعلامي الشاب لم يعد يقبل بسياسة "عفا الله عما سلف"، بل أضحى يمارس "مقاومة مدنية" شرسة؛ فهو حين يلجأ للمحكمة -رغم علمه بتعقيدات القضاء وتسييس بعض مفاصله- يضع النظام السياسي برمته تحت الاختبار. ومن ثمَّ، فإن الهدف هنا لم يعد مقتصرًا على انتزاع حكم فوري، بل يمتد ليشمل كشف الزيف القانوني للأنظمة وحشرها في معضلة المساءلة أمام الرأي العام المحلي والدولي.
إضافة إلى ما سبق، فإن القيمة الاستراتيجية لهذا الحراك تكمن في تأسيس ما يمكن تسميته "إرث الحقوق"؛ إذ أدرك الصحفيون المبادِرون أن الصمت هو الضوء الأخضر لاستمرار الانتهاكات، لذا قرروا أن كل تجاوز سيقابل بملف قضائي. وحتى في حال عُرقلت هذه القضايا أو حُفظت في الأدراج، فإن مجرد قيدها يعد توثيقًا تاريخيًا لا يسقط بالتقادم، ويكسر ثقافة "الإفلات من العقاب" التي سادت لعقود. فضلًا عن ذلك، فإن هذه التحركات ترسل رسالة حازمة للداخل والخارج بأن زمن الصمت عن التجاوزات قد ولى، وأن كل ورقة تُقدم للمحكمة اليوم هي ضمانة للأجيال القادمة بأن هناك حقوقًا لم يتنازل عنها أصحابها مهما بلغت الضغوط.
وفي نهاية المطاف، نحن أمام إعادة صياغة شاملة لدور "السلطة الرابعة" في اليمن؛ إذ لم يعد الصحفي مجرد شاهد عيان يكتفي بالفرجة، بل استحال إلى "خصم قانوني" صلب يمتلك السيادة والجرأة لاستعادة مكانته من داخل مؤسسات الدولة. إنها رحلة شاقة تبدأ من "صناعة الخبر" لتنتهي بفرض "منطق المحاسبة"، مؤكدة أن الوعي الحقوقي لدى الإعلامي اليمني الشاب قد تجاوز مرحلة الترهيب، وأن قاعات المحاكم التي تُفتح اليوم هي التي ستصيغ الملامح الحقيقية لـ"دولة القانون" في مستقبل اليمن.

الكلمات الدلالية