صنعاء 19C امطار خفيفة

العالم الإنسان وزعامة القيم.. أ.د. حسين بن عبدالله العمري نموذجًا

حين نكتب عن الكبار يداهمنا ارتباك مشروع، لا لعجز اللغة فحسب، بل لأننا نوقن أن مقاماتهم تتجاوز حدود الوصف. ومع ذلك نحاول اجتهادًا أن نقيم توازنًا منهجيًا بين الذاتي والموضوعي للاقتراب من صورة تليق بهم.


يمثل البروفيسور حسين بن عبدالله العمري ثلاثية نادرة: نبالة الأخلاق، عظمة التواضع، وغزارة العلم. وهي ليست صفات عابرة، بل بنية متكاملة تشكل جوهر شخصيته وسجيته الأكثر حضورًا. فمنذ اللقاء الأول يأسرك بتواضعه العفوي، ويبهرك بتلقائيته الصادقة، كأنك أمام عالم يختبئ خلف إنسان أو إنسان يتجلى في هيئة عالم.

حسين عبدالله العمري
في شخصه تتجسد الحكمة القائلة إن ازدياد العلم يورث التواضع. وهو امتداد لبيت علم ونبل، حيث يصبح الاعتزاز بالنفس ثقافة، والإباء سجية، والتواضع رفعة لا تناقض الشموخ. ومن هنا يغدو نموذجًا إنسانيًا نادرًا عصيًا على النسيان، متفردًا في حضوره، لا تؤثر فيه تقلبات الحظ ولا حسابات الربح والخسارة، لأن الإنسان في جوهره موقف وقيم قبل كل شيء.
لقد تجلى العمري علمًا من أعلام الحركة الفكرية في اليمن، لا بغزارة إنتاجه فحسب، بل بأخلاقه التي أثبتت أن الزعامة الحقيقية تبنى على المحبة والاحترام لا على الترهيب والمصالح. صنع مكانته بجهده الذاتي بعيدًا عن الاتكاء على السلطة أو استجداء النفوذ، وهو ما حرمه ربما من مناصب كثيرة، لكنه منحه ما هو أبقى: ثقة الناس ومحبتهم.
اتسمت علاقته بالسياسة بوعي ناضج ومسافة متزنة، فلم ينخرط في تعصب حزبي أو جهوي، بل ظل مرجعية علمية فوق الاصطفافات. وقد تجلى ذلك في إدارته لمجلة "الثوابت"، إذ تجاوز ضيق التحزب إلى أفق وطني جامع، مؤسسًا لخطاب عقلاني متزن. وكانت تلك من علامات نضجه السياسي، وسببًا رئيسيًا في قبول الجميع له.
لم تكن زعامته مستمدة من إرث اجتماعي أو سلطة رسمية، بل من كفاءته العلمية وكبريائه النزيه واكتفائه الذاتي. زهد في المناصب حين رآها تمنح وفق معايير لا تنسجم مع قيمه، فاختار أن يبقى حرًا وفيًا لمبادئه، متسقًا مع ذاته.
هو من أولئك الذين تصنعهم المواقف وتصقلهم التجارب، فيغدون أقدر على فهم الحياة وإعادة تشكيلها وفق منظومة قيمية رفيعة. كرس حياته للعلم وخدمة طلابه، وبذل من وقته وماله في سبيل المعرفة، وظل وفيًا لوطنه، عزيز النفس، مترفعًا عن مواطن الاستجداء، مما وسع دائرة التقدير له محليًا وإقليميًا.
امتاز كذلك بقدرة نادرة على استيعاب المختلفين، فكان نقطة التقاء للتيارات الفكرية والسياسية، يستمع ويحفز ويؤازر دون أن يفقد استقلاله أو وضوح رؤيته. جمع بين سعة الاطلاع وعمق الفهم، فغدا مرجعية يأنس إليها الجميع.
علمنا كيف نحيا للعلم وبالعلم، وكيف تكون القيم أساس البقاء. فكل شيء زائل، ولا يبقى إلا الأثر: فكرة صادقة أو موقف نبيل أو قيمة متجذرة. وهذا هو الإرث الحقيقي الذي يخلده الإنسان في ذاكرة الزمن.
لقد غرس فينا نحن تلاميذه منظومة من القيم لا تحصى، ووجهنا نحو البحث الرصين، وربانا على النزاهة العلمية والاعتداد بالذات. علمنا أن الزعامة ثقة الناس، وأن الوجاهة أخلاق، وأن الزيف لا يعيش إلا في بيئات الاستبداد، وأن اللحظات الفاصلة في التاريخ لا يصنعها إلا الرجال.
أما منجزه العلمي فهو امتداد طبيعي لهذه الشخصية، إذ يتوزع بين التدوين التاريخي والدراسات الفكرية وتحقيق المخطوطات، مع اهتمام خاص برواد الإصلاح والتنوير في اليمن، وفي مقدمتهم الشوكاني، فضلًا عن قراءاته في التاريخ العثماني والعلاقات اليمنية الأوروبية، وغيرها من القضايا التي تعكس أفقه الموسوعي.
إنه باختصار عالم جسد إنسانيته، وإنسان ارتقى بعلمه، فاستحق أن يكون قدوة وذاكرة حية في وجدان من عرفه.

الكلمات الدلالية