السلفية الجهادية.. النصوص تطلق النار
تشكلت السلفية الجهادية من ركام النصوص لا من فراغ الواقع. ما يبدو انفجاراً مفاجئاً هو نتيجة مواد أُعيد ضغطها حتى صارت أكثر قابلية للاشتعال من أي لحظة طارئة. طبقات من تأويلات وتجارب عنف جرى تدويرها بعناية لا لتُفهم ولكن لتُستخدم. يقين يضيق كلما اتسعت رقعة الحقيقة ويشتد كلما احتكّ بالواقع، كأن الاحتكاك نفسه عملية شحذ لا مراجعة.
النص يتحرك بوظيفة عملية. يُستدعى عند الحاجة ويؤدي المهمة دون تردد، أداة جاهزة أكثر منه مساحة تأمل. العالم يُعامل كمادة خام تُضغط داخل قالب معد سلفاً لا كمجال مفتوح للفهم. الفكرة تسبق الوقائع وتفرض عليها هيئة مسبقة، كأن الواقع تفصيل متأخر في خطة مكتملة.
التراث يدخل عبر بوابة اختزال مريح. أحمد بن حنبل يُستحضر في صورة مكثفة، صلابة بلا هوامش. ابن تيمية يظهر كمرجع متعدد الاستعمالات صالح لكل الأزمنة كأداة لا تنتهي صلاحيتها. محمد بن عبدالوهاب يتحول إلى نقطة انطلاق لمشروع يتمدد خارج شروطه الأولى. مادة معرفية تعاد صياغتها لتعمل كدليل تشغيل، تنظم السلوك بقدر ما تمنحه غطاءً نظرياً.
في القرن العشرين يأخذ المسار شكلاً أكثر حدة. مع المودودي وسيد قطب، تتحول الحاكمية إلى مقياس شامل، وتُسحب الجاهلية إلى الحاضر. المجال العام يتحول إلى ساحة اختبار دائم حيث تقاس الوقائع بمدى انضباطها للنموذج. أفغانستان تمنح الفكرة بيئة احتكاك مباشر، لا لتتوازن ولكن لتزداد خشونة. هناك تُصاغ العلاقة بين النص والسلاح على إيقاع واحد. مع أسامة بن لادن، تتسع الخريطة وتفقد حدودها التقليدية، وتُعاد كتابة المواجهة بمنطق الشبكات حيث يمكن لأي نقطة أن تتحول إلى مركز.
تنظيم الدولة الإسلامية يقدم النسخة الأكثر انضباطاً من هذا المسار. إدارة مباشرة، تطبيق سريع، واختزال للاختلاف في إجراء فوري. التأويلات تترجم إلى تعليمات، والتعليمات تدار بعقلية أقرب إلى جهاز إداري صارم حيث التفاصيل اليومية تخضع لمراقبة دقيقة، كأن الفقه أعيدت صياغته على هيئة لوائح تشغيل.
في اليمن تصطدم هذه البنية بواقع يعيد ترتيب كل محاولة للهيمنة عليه. جغرافيا متشابكة وسلطة موزعة ومراكز قوة لا تستقر على شكل واحد. تنظيم القاعدة يبرع في هذه البيئة، يتحرك بمرونة ويجد لنفسه موطئ قدم داخل فراغات متعددة، مستفيداً من توازنات دقيقة بين الخوف والحاجة. تنظيم الدولة يظهر بصورة أكثر صخباً، يراهن على الأثر السريع فيحضر بقوة ويختفي بالسرعة نفسها، أشبه بضجيج مرتفع لا يترك وراءه بنية مستقرة.
بعد 2015 تتشكل صورة أكثر تركيباً. سلفية تحمل خطاب الطاعة وتعمل داخل بنية عسكرية رسمية. المقاتل العقائدي يعيد تعريف نفسه كموظف يؤدي وظيفة محددة ضمن جهاز هش، ويضبط علاقته بالفكرة وفق متطلبات الدور. التوتر بين المبدأ والممارسة لا يُحل وإنما يُدار كجزء من العمل اليومي.
في الجنوب يتكثف هذا التداخل داخل تشكيلات الحزام الأمني وألوية العمالقة وقوات النخبة. قادة بخلفيات سلفية يقودون المشهد، يتصدرهم التيار "الجامي" أو "الوادعي"، بخطاب يعلن التمايز الحاد عن القاعدة في مسائل الولاء والبراء وطاعة ولي الأمر، بينما تسمح الممارسة بدرجة عالية من التقاطع. اللغة تختلف لكن الوظيفة تتشابه.
الخلاف العقائدي ينكمش أمام ضرورات الميدان. الولاءات تُعاد صياغتها بسلاسة، وأفراد ينتقلون من تنظيمات جهادية إلى وحدات رسمية بعد إعلان تخليهم عن تصنيفات سابقة، في عملية تبدو أقرب إلى إجراء إداري منها إلى تحول فكري عميق، حيث يكفي تعديل العنوان ليستمر المحتوى في أداء دوره.
في الخلفية تستمر الاغتيالات كآلية حاضرة، تتحرك ضمن شبكة دوافع متداخلة. المفاهيم تتكرر بإيقاع ثابت الحاكمية، الولاء والبراء، التكفير، الجهاد. التكرار لا ينتج وضوحاً بقدر ما يعيد تدوير المعنى داخل الدائرة نفسها حيث تتقارب التنظيمات في البنية وتختلف في أساليب التنفيذ.
مع الوقت تتبدل الأشكال. الكيانات الكبيرة تتفكك إلى وحدات أصغر، أكثر قدرة على الحركة. النشاط ينتقل إلى فضاءات مرنة، والنص يصبح أخف وزناً وأسرع انتشاراً. الفكرة تواصل إعادة إنتاج نفسها، تدخل بيئات مختلفة وتتكيف معها دون كثير من الحساسية، كأنها لا تبحث عن تطابق بقدر ما تبحث عن قابلية الاستعمال.