السبت 8 أغسطس 2026

اتفاق مكة

بحر السياسة، إن سادَه الهدوء لحظة، ما تلبث أمواجه أن تضطرب. البحر والسياسة عالمان، أسرارهما ليست للفرجة بل لسبر أغوارهما، وتلك مهمة من كان ملاحًا على غرار همنجواي، يدرك كيف يحرك أشرعته ويدير مجاديفه، فالبحر إن هاج لا يرحم، والسياسة بحر زاخر بالمفاجآت بعالم مضطرب، زادت من اضطرابه تزايد مفاعيل القوة فرضًا لتغيير معالم واقع دولي أو إقليمي من قبل من تسول له قوته وعُرطسته أنه بات سيد الموقف، قوة وإمكانات ونفوذ يمتلك نواصي تغيير اتجاه السياسة كما تسول له أربحته الأمر. هكذا أخبرنا التاريخ وماديته التاريخية، كيف تولدت قسرًا مراحل تاريخ قادتها مفاعيل القوة لفرض وقائع على الأرض، على الآخر القبول والتسليم.

منطقتنا ببحرها الهائج من لحظة 7 أكتوبر 2023، والبحر لا يهدأ. فالمشروع الاستيطاني الأخطر على حساب حقوق فلسطين أدرك أن حانت انحناء البحر قد حانت، أعاد ترتيب أوراقه مع عناصر ومفاعيل قوته التي عليها استند وتغول، خاصة بعد حرب السويس 1956 وأفول من لا تغيب عنه الشمس، لتتجلى شمس أمريكا التي تناولت لتزداد جنوبًا مع مهرجان الصفقات ترامب، من 7 أكتوبر حتى آخر مواجهات أمريكا إسرائيل مع مشروع إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط.
جرت تحت النهر مياهه حارقة، لم تتمكن من إحراق كامل عباءة الثوب الملالي المتدثر به كل الأب الروحي الخميني أو خليفته الابن وقادة الحرس القوري، فلا تمكنا من تفكيك الحرس الثوري ولا تغيير النظام ولا أذرعه. ما جرى المزيد من اضطراب منطقة الشرق الأوسط غير المستقرة أصلًا بكاملها، واختنق الخليج بقواعده ونفطه، وأصيبت أسواق العالم بمتاعب المصران الأعور، فلا تدفق نفط رخيص ولا غاز بديل، ولا غزة انتهى أمرها. كل ما حدث المزيد من اضطراب الأسواق، عدم استقرار لأسواق السياسة والاقتصاد وسلاسل الإمداد.
وبين مد وجزر وتبدلات مسرحية العبث التي يديرها ترامب، نتنياهو، ويكذب من يقول إن عودة جودو كما صورها صموئيل بيكيت لمسرحية «عودة جودو»، أي المنقذ. قطعًا لا، نتنياهو وترامب يمثلان عودة جودو المنقذ، هما شرارة شر مستطير لمشروع هيمنة متجذر بعمق فلسفتهما الصهيونية حول الحلم الصهيوني. العالم كله يدفع ثمنه، ثمن هياج بحر السياسة الترامبية نتنياهو، بعالم بات يبحث عن حل يعيد الهدوء والاستقرار لعالم بحره مضطرب بسبب عواصف من أطلق عنانها، لكنه ما عاد يمتلك السيطرة عليها تمامًا، كما نجح همنجواي وهو يقاوم عنف الرياح حتى لا تغرق سفينته.
لكن همنجواي غير ترامب نتنياهو، يمثلان شيطانًا، الحرب والصفقات. والسؤال: ترى من سيمكنه لجم مفاعيل هوس نتنياهو لتغيير خارطة الشرق الأوسط، مدعومًا من ترامب عبر تدمير إيران وبرنامجها النووي، وعبر تهييج نرجسية تاجر الصفقات ترامب، من أخفقت حساباته، فبات يبحث عن مخرج يقيه من الغرق في بحار هاجت عليه بالداخل الأمريكي المضطرب ومؤشرات انتخابية مزعجة ولعبة أواني مستطرقة يلعبها الملالي بذكاء، لا يعيرون الخسائر اهتمامًا ويحركون الأذرع أين ومتى أرادوا.
ضمن هذه الصورة المضطربة من بحار السياسة في منطقة تمتد ضمن مفهوم الشرق الأوسط الكبير، أتى متغير له دلالاته: اتفاق سعودي تركي باكستاني. ترى هل هو تحالف بغداد مستجد أطرافه على علاقة بطرفي الحرب، خاصة أمريكا وإيران، لكن ضمن مفارقة تقول إن ثلاثي السعودية وتركيا وباكستان لا يمكن أن اعتبارهم بحالة مواجهة مع إيران. فما الغرض منه إذن إذا كانت أهداف قيامه تتأسس على ما يلي:
أولًا: إرساء الأمن بالمنطقة.
ثانيًا: تطوير أوجه التعاون متعدد الأوجه.
ثالثًا: عدم التوجه نحو توسيع الإمكانات النووية.
لكن هناك معطى تم تضخيمه مع إعلان قيام التحالف بين البلدان الثلاثة، بأن أي عدوان على أي طرف يعتبر عدوانًا على أطرافه جمعًا.
إذن ماذا وراء الأكمة؟ ولِمَ الآن تحالف إسلامي بغياب بلد بحجم مصر؟ وما موقف أمريكا التي تربطها بالدول الثلاث علاقات ذات طابع استراتيجي، ناهيك عن تركيا ووضعها كعضو بالنيتو؟ هل هو حلف بغداد جديد؟ ظروف اليوم نعم أشد سوءًا من ذلك الحين، لكن يبقى الأمر محل تساؤل: كيف سيكون الموقف إسرائيل ومن الهند؟ وما الموقف من مشروع التطبيع والشرق الأوسط الكبير؟
أسئلة ستجيب عنها الأيام القليلة القادمة، خاصة مع تطورات الحرب مع إيران وما يمكن أن تشهده حرب المضايق، هرمز وباب المندب، من تأثيرات على مآلات حرب إن اشتعلت أوارها. فأول من سيكتوي بنارها المحرقة، لا شك، بلادنا وجوارها، وهو ما لا نريده أبدًا.
لهذا يظل السؤال: ماذا وراء الأكمة التي تختفي خلفها أهداف قيام هكذا حلف؟