يوميات (7)
رائحة الغبار والإسمنت
بعد أن جاءت المعجزة متأخرة جدا وحصلت على مبلغ الحقوق.. ثماني سنوات من عمري معلبة في حوالة مصرفية.. وبعد أن مرت على سكاكين الصرافين صارت مليونا وثلاثمائة ألف ريال يمني.. رقم يبدو ضخما للجائع، وقزما أمام الخيبة.
أول ما فعلته، استدعيت ابن عمي.. مديت له ثلاثمائة ألف.. نظر إليها باشمئزاز كأني أرمي له عظاما
: هذا دينك القديم.. أعرف أن فارق الصرف أكل نصفه لكني أقسم لك .. هذا ما امكنني الان..
ظل صامتا، ثم خطفها من يدي كأنه ينقذها من براثني.. لم يقل شكرا.. الشامتون لا يشكرون.. أخذها ومضى وترك لي طعم الذل في حلقي من جديد.
تبقى مليون.. مليون يتيم.. حملته كمن يحمل كفنه وقلت لزوجتي وابني
: نغادر..
غادرنا القرية.. بعضهم لوح لي بطيبة وبعضهم كان طيبا حقا.. مساكين القرية.. قلوبهم أحن من ترابها.
أقنعت من لم يقتنع بمغادرتنا ونفسي قبلهما
: أنا ابن المدينة.. ولدت هناك أصلا.. القرية كانت منفى مؤقتا.. كذبة أخرى نضيفها إلى سجل الكذبات البيضاء التي نحيا بها.
حشرتنا - أنا وزوجتي وابني وحقيبة مهترئة - في سيارة أجرة مستأجرة.. السيارة تئن وهي تصعد من الوادي إلى الأسفلت، كأنها تخرج من قبر..
كنت أنظر من النافذة للقرية وهي تبتعد وتتضاءل، كأنها ذكرى.. فجأة.. تجمد الدم في عروقي.
على جانب الطريق الترابي هناك حيث ذلك السوق الشعبي..كانت تقف هي.. مقبولة..
بائعة اللحوح.. حب الطفولة المؤجل.. كانت تحمل على رأسها سلة فارغة وعيناها شاردتان في الأفق.. لم تلمحني.. أو لعلها لمحت سيارة غريبة تقل عائلة غريبة ومرت كالغرباء.
مرت السيارة بجانبها كالقدر.. هي واقفة هناك.. وأنا هارب إلى المدينة أحمل مليون خيبة في جيبي وزوجتي وابني بجانبي.
لم أوقف السيارة.. لم ألوح.. لم أتنفس حتى.. فقط نظرت إليها وهي تبتعد في المرآة الخلفية.. تتضاءل.. تتضاءل.. حتى صارت نقطة سوداء.
في تلك اللحظة فقط فهمت معنى أكاذيب الفنجان وخرافاته.. الكتلة السوداء الكبيرة على اليسار.. كانت هي.. ماضي كله جاثم على جانب الطريق.. وثقب الإبرة الصغير في الوسط.. كان هذه السيارة المستأجرة التي تهرب بي.. خيط واحد واهن أمر منه إلى مدينة لا أعرفها، تاركا خلفي كل الطرق المسدودة.. وكل النساء اللاتي أحببتهن ولم أتزوجهن.
وصلنا المدينة مع الغروب.. كان لها رائحة الغبار والإسمنت والوعود الكاذبة.
للبقية تتمة...
