الثلاثاء 26 مايو 2026
  • الرئيسية
  • الحرب الإيرانية وصناعة خطاب النصر

الحرب الإيرانية وصناعة خطاب النصر

ما تزال الحرب الإيرانية واحدة من أبرز الأحداث الإقليمية في الوقت الحاضر، في ظل استمرارها في طرح مآلات مفتوحة أمام خيارات الأطراف المنخرطة في الصراع.

هذه النهاية غير المحسومة للحرب، وانتقالها من دائرة المواجهة الميدانية إلى دوائر التفاوض والدبلوماسية، انعكست بصورة واضحة على طبيعة الخطاب السياسي لدى مختلف الأطراف، ولا سيما الخطابين الإيراني والأمريكي، في محاولة كل طرف تقديم قراءته الخاصة لما أفرزته جولات المواجهة السابقة.

فعلى الصعيد الإيراني، يقوم الخطاب السياسي الرسمي على تقديم صورة لـ«النصر الإيراني» بوصفها النتيجة النهائية للحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة والكيان المحتل. وقد استطاعت إيران، إلى حدٍّ ما، من خلال صياغة هذا الخطاب، أن تخلق حالة من القابلية المحلية والإقليمية، انعكست في موجة من الآراء التي تبنّت الرواية الإيرانية لنتائج الحرب.

وقد تشكّلت مقومات هذا الخطاب على عدة نقاط أساسية، أهمها رفع سقف أهداف الخصم ثم التركيز على فشله في تحقيقها. إذ ركّزت الرواية الإيرانية على:

استمرارية النظام السياسي الإيراني وعدم سقوطه، وفشل العمليات العسكرية في إحداث التغيير السياسي المطلوب.

التأكيد على احتفاظ إيران بقدرات عسكرية مؤثرة رغم حجم الضربات والتحديات.

تقديم الصمود والاستمرار بوصفهما بحد ذاتهما شكلًا من أشكال الانتصار السياسي والاستراتيجي.

ويقوم هذا الخطاب الإيراني على إعادة تعريف مفهوم النصر وفق الرؤية الإيرانية الخاصة؛ وهو أمر لا يُعد استثناءً في سياق الحروب الحديثة، إذ تسعى أغلب الدول بعد انتهاء النزاعات أو تجمّدها إلى صياغة رواية سياسية وإعلامية تقدّم نتائج الحرب باعتبارها نجاحًا، أو على الأقل منعًا للهزيمة.

في المقابل، تقوم الرواية الأمريكية على صياغة خطاب سياسي مناقض تمامًا لما تحاول إيران تسويقه، من خلال التأكيد على أن الحرب حققت أهم أهدافها في تقويض القوة العسكرية الإيرانية، وتحييد جزء كبير من القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية. كما تستعرض الرواية الأمريكية قدرتها على الوصول إلى الصف الأول من القيادات العسكرية والسياسية، وما رافق ذلك من استهداف شخصيات وقيادات مؤثرة ضمن مستويات القيادة المختلفة في النظام الإيراني وتشكيلاته العسكرية.

ويظهر هذا الخطاب بصورة واضحة في تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، الذي يحرص في كل ظهور إعلامي على تقديم نتائج الحرب بوصفها إنجازًا استراتيجيًا يؤكد التفوق الأمريكي وقدرته على فرض معادلات القوة في المنطقة.

وتسعى أطراف الصراع إلى تقديم «خطاب النصر» وتعريفه وفق روايتها الخاصة، بغضّ النظر عن النتائج الفعلية على الأرض، خصوصًا مع ارتفاع سقف المطالب التفاوضية ومحاولة الولايات المتحدة انتزاع حالة أقرب إلى الاستسلام الكامل من الجانب الإيراني والخروج بأكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاستراتيجية. وفي المقابل، تحاول إيران الخروج بأقل الخسائر الممكنة، والعمل على ترميم موقعها الإقليمي وإعادة بناء الصورة الإيرانية بعد ما أحدثته الحرب من تحولات إقليمية.

وفي هذا السياق، يصبح الصراع على الرواية والتأثير المعنوي جزءًا مكمّلًا للصراع العسكري نفسه، حيث لا تقتصر المواجهة على الميدان، بل تمتد إلى تشكيل الوعي العام وتوجيه الإدراك السياسي للجمهور المحلي والإقليمي. كما تلعب الروايات السياسية دورًا مهمًا في دبلوماسية الأطراف، من حيث قدرتها على التأثير في الصياغة النهائية لمخرجات العملية التفاوضية القائمة ونتائجها.