حاتم أبو حاتم.. سيرة التحولات الكبرى للجمهورية

في ذروة هذا الخراب اليمني الممتد، يغادر اللواء المهندس الطيار حاتم أبو حاتم، أحد أبرز وجوه الحركة القومية الناصرية في اليمن، بعد مسيرة طويلة ارتبطت بمحطات مفصلية من تاريخ الجمهورية والصراع على فكرتها ومشروعها السياسي.
يرحل الرجل تاركا خلفه سيرة مشبعة بالتقلبات الحادة؛ من جبهات الدفاع عن ثورة سبتمبر، إلى دهاليز العمل العسكري، ثم سنوات المطاردة والاختفاء، وصولا إلى حضوره السياسي والمدني في العقود الأخيرة.
وتبدو تجربته أقرب إلى سيرة جيل كامل، تشكل وسط الثورة والانقلابات والهزائم وأحلام بناء الدولة.
ولد حاتم أبو حاتم في بيئة جبلية شرق صنعاء، في منطقة نهم التابعة لخولان. وفي سنواته المبكرة، تفتحت علاقته بالسياسة والتعليم في صنعاء، حيث درس على يد أسماء أدبية بارزة مثل عبد الله البردوني وعبد العزيز المقالح.
ومع اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962، كان ضمن المجموعات الطلابية التي دفعت بها الحماسة الجمهورية إلى جبهات القتال في صعدة، دفاعا عن مشروع الثورة الوطني.
وفي منتصف الستينيات، كان ضمن أوائل المبتعثين اليمنيين إلى الاتحاد السوفيتي، ودرس هندسة الطيران في الأكاديمية العسكرية العليا بمدينة كييف. وهناك حصل على "الشهادة الحمراء" بتقدير امتياز، وهي من أعلى الشهادات الأكاديمية في المؤسسة العسكرية السوفيتية آنذاك.
عاد إلى اليمن متخصصا في هندسة الطيران، وانخرط في بناء القوات الجوية خلال مرحلة حساسة من تاريخ الدولة الجمهورية. وعمل في قاعدة الحديدة الجوية، ثم تولى مهام قيادية بينها منصب نائب قائد القوات الجوية وكبير مهندسيها خلال مرحلة حركة 13 يونيو 1974 التصحيحية، التي قادها الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي.
وفي تلك المرحلة تحديدا، ارتبط بالتيار الناصري، كما كان قريبا من الدوائر السياسية المرتبطة بمشروع الحمدي.
شكل اغتيال الحمدي سنة 1977 نقطة تحول حاسمة في مسيرته السياسية. ودخل بعدها في العمل التنظيمي السري، وشارك في تأسيس الحركة التي قادت الانقلاب على نظام علي عبد الله صالح، في 15 أكتوبر 1978.
كان حاتم أبو حاتم في صدارة القيادة العسكرية للحركة، التي حاولت إعادة إحياء المشروع الوطني المرتبط بفترة الحمدي.
وتميزت تلك الحركة بأنها جرت دون مواجهات دموية واسعة، بيد أن فشلها قاد إلى حملة ملاحقات وتصفيات واخفاء قسري وأحكام غيابية بالإعدام بحق قياداتها. وكان حاتم أبو حاتم واحدا من المحكوم عليهم بالإعدام، ومنذ تلك اللحظة، بدأ فصل مختلف من حياته.
اتجه أبو حاتم إلى جبال نهم شرق صنعاء، كمعتقل اختياري، وقضى هناك نحو اثني عشر عاما في ظروف شديدة القسوة، بين العزلة والملاحقة والترقب.
بعد إعلان الوحدة اليمنية عام 1990، عاد أبو حاتم إلى الحياة العامة، عبر "التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري"، محتفظا بمواقفه القديمة وانحيازه لفكرة الدولة الوطنية.
وخلال العقود التالية، ظل وفيا لانتمائه اليساري، حاضرا في الفعاليات السياسية والثقافية والجماهيرية في صنعاء، قريبا من هموم وقضايا الناس والنقاشات العامة، ومن أشد المعارضين لنظام علي صالح.
ومع اندلاع ثورة 11 فبراير 2011، ظهر ضمن الوجوه السياسية التي انحازت إلى الثورة الشبابية السلمية، بحضوره المعتاد في المجال العام، وبوصفه أحد أبناء التجربة الجمهورية القديمة.
يعد حاتم أبو حاتم من القادة السياسيين القلائل الذين تعكس ملامحهم وقسمات وجوههم تفاصيل اليمن، بعيدين عن شبكات المصالح والثراء السياسي والاتجار بقضايا الوطن. ومثل نموذجا لسياسي احتفظ بقدر عال من النزاهة والاتساق بين تاريخه الشخصي ومواقفه السياسية.
وطوال مسيرته النضالية، حافظ أبو حاتم على حضوره الاجتماعي والسياسي، قريبا من الأوساط المدنية والثقافية، ومتفاعلا مع قضايا التعليم والشباب.
واجه خلال السنوات الأخيرة متاعب صحية مرتبطة بأمراض القلب والرئة، بعد حياة طويلة حافلة بالعطاء الوطني، توزعت بين العمل العسكري والعمل السياسي وسنوات الملاحقة والاختفاء القاسي.
برحيل حاتم أبو حاتم، تطوي اليمن صفحة أحد أبناء جيل الجمهورية الأوائل، الذين عاشوا التحولات الكبرى للدولة اليمنية، وحملوا أحلامها وصراعاتها وانكساراتها على امتداد عقود.
لروحه السلام...
