عبدالوهاب الغشم.. الأب الكبير ومعلم الأجيال..

لم أحب شخصا بعد والدي كما أحببت أستاذي عبدالوهاب عبدالرحمن الغشم، ذلك الإنسان الذي كنت تشعر بالقرب منه بحميمية لا توصف، ويغمرك بحنان أبوي صادق ودفء إنساني عميق. لم تكن تشعر في حضرته بوحدة أو غربة، ولا تمل من مجالسته أو الحوار معه، فقد كان نموذجا نادرا للمربي الفاضل والإنسان الراقي الذي تتجسد فيه معاني الأخلاق والوفاء والصفاء.
على يديه تعلمت معنى الأدب والصدق والإخلاص، وتعلمت كيف يكون الإنسان كبيرا بأخلاقه لا بمكانته، عظيما بتواضعه لا بمنصبه. كان يغمرني بعناية لا أجدها إلا من أب حكيم يدرك معنى التربية والرعاية، ولذلك ظل حضوره في وجداني أكبر من مجرد أستاذ، بل كان مدرسة إنسانية متكاملة.
كل من عرفه أحب فيه صفاءه ونبل أخلاقه، فلم يكن يحمل تعصبا ولا يعرف الإنحياز الأيديولوجي، ولم تغره المناصب أو تستهوه الحزبية رغم مكانته العلمية والاجتماعية الرفيعة. كان قريبا من الجميع، يخدم الناس دون محاباة أو تمييز، ويتعامل مع أبناء مجتمعه بروح الأبوة والمسؤولية والرحمة.
أثناء دراستي الجامعية كنت أزوره كل جمعة بتوجيه من والدي، فكنت أجد بيته عامرا بالضيوف والزوار طوال الأسبوع، ومائدته مفتوحة للجميع بكرم نادر وطيب نفس أصيل، حتى اشتهرت مائدته بالسبع السلتات. وإذا غبت عن زيارته في إحدى الجمع عاتبني بشدة، بل ويتصل بوالدي شاكيا تقصيري، حرصا منه على استمرار التواصل والمحبة.
كان رحمه الله طاهر السجية، نقي السريرة، صادق النية، مخلص الوفاء، رجلا استثنائيا بكل المقاييس. رحل عن الدنيا والناس راضية عنه، لكنه ترك في القلوب جرحا لا يندمل، وخسارة اجتماعية وإنسانية فادحة، فلن يجود الزمان بمثله كثيرا.
تلقى علوم القرآن الكريم ومبادئ اللغة العربية بعد تخرجه من المعلامة على يد والده القاضي العلامة عبدالرحمن الغشم، ثم التحق بمدرسة دار العلوم بصنعاء قبل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، حيث درس الفقه والتفسير والعلوم الشرعية، وبعد قيام الثورة واصل تعليمه الحديث في مدرسة الوحدة على أيدي الأساتذة المصريين حتى تخرج فيها.
عمل مشرفا على طلاب القسم الداخلي بمدرستي الوحدة والمتوسطة، ثم مساعدا لمدير مدرسة الأيتام بصنعاء ومشرفا على طلابها في السكن الداخلي، وكان لا ينام حتى يمر على جميع الطلاب ليتفقد أحوالهم ويلبي احتياجاتهم من مأكل وملبس وفراش، حتى استحق بجدارة لقب "أبو الأيتام".
كما انتخب بالإجماع عضوا في المجلس المحلي بمديرية جبل الشرق إلى جانب عمله في التربية والتعليم، وكان خير ممثل لمديريته وأبنائها، حيث تابع بإخلاص تنفيذ العديد من المشاريع الخدمية، وفي مقدمتها شق طريق عزلة القارة وطريق عزلة قرف والمغربة. وقبل ذلك عمل أمينا للمخازن العامة بوزارة التربية والتعليم واستمر في عمله حتى وفاته.
لقد كان رحمه الله آية في مكارم الأخلاق، ومعلما للقيم، ومصدرا للخير والعطاء، عطوفا على الأيتام، قريبا من الناس جميعا، فأحبه الجميع بلا استثناء. وسيبقى خالدا في قلوب محبيه، ومثالا نادرا للإنسان الراشد والأب الكبير الذي عاش للناس ورحل تاركا سيرة عطرة لا تنسى.
