فكر عبد الفتاح إسماعيل ونظرته نحو الديمقراطية: قراءة في الأبعاد السياسية والشهادات التاريخية الخفية

يُعتبر عبد الفتاح إسماعيل، مؤسس الحزب الاشتراكي اليمني، منظِّراً فكرياً وسياسياً بارزاً ترك بصمة واضحة في التاريخ اليمني المعاصر. وقد تأثر فكره بروافد الأيديولوجية الاشتراكية والنزعة القومية، متخذاً توجهاً يسارياً راديكالياً في بعض مراحل حكمه، وهو ما انعكس بشكل مباشر على رؤيته وتطبيقاته لمفهوم الديمقراطية.
الملامح الرئيسية لنظرته نحو الديمقراطية
يمكن تفكيك البنية الفكرية لـ "عبد الفتاح إسماعيل" ومقاربته للديمقراطية من خلال المحاور التقييمية التالية:
المركزية الديمقراطية: اعتمد النظام السياسي الذي تبناه الحزب الاشتراكي اليمني (وقبله الجبهة القومية) على مبدأ "المركزية الديمقراطية". هذا المفهوم المستند إلى الأدبيات الاشتراكية الكلاسيكية، يفترض نظرياً إتاحة المجال للديمقراطية في اتخاذ القرارات على مستوى القاعدة؛ إلا أن الممارسة العملية شهدت طغياناً للمركزية الشديدة التي كادت "تلتهم الممارسة الديمقراطية" -وفق وصف أحد المحللين- مما دفع ببعض القراءات التاريخية لتصنيف التجربة بأنها اتسمت بنوع من الديكتاتورية الحزبية.
الإيمان المطلق بالحزب الطليعي: كان عبد الفتاح إسماعيل يؤمن إيماناً راسخاً بالدور القيادي للطليعة الحزبية، معتبراً الحزب الاشتراكي اليمني هو المؤسسة الجماعية المؤهلة لقيادة الجماهير وإحداث التغيير المنشود نحو الأفضل. وفي عقيدته السياسية، كان بقاء الحزب وصيانة خطه الفكري أسمى وأهم من بقاء الأشخاص، بمن فيهم هو نفسه كقائد.
الخيار الاشتراكي القومي: لم تكن السردية الفكرية السائدة في أروقة الحزب اشتراكية متطرفة أو شيوعية معزولة عن واقعها، بل كان القاسم المشترك والأعمق هو الخيار "الاشتراكي القومي" الذي سعى للمزاوجة بين الهوية الوطنية العربية والتوجهات الاجتماعية والسياسية للاشتراكية العلمية.
الحوار والتفهم (كسمة إنسانية وشخصية): على الصعيد الإنساني والشخصي في تعاطيه مع الآخر، تواترت الآراء التي تصفه بأنه كان "رجل حوار ديمقراطي بكل ما تحمله الكلمة من معنى"؛ إذ كان يمتلك قدرة فائقة على الاستماع وتفهم وجهات النظر المباينة والمختلفة قبل بلورة القرارات النهائية.
تغليب الفكر والتنظير على الممارسة التنفيذية: يرى بعض المؤرخين أن إسماعيل كان منظِّراً فكرياً وفيلسوفاً سياسياً للحزب أكثر من كونه رجلاً تنفيذياً لإدارة الدولة. وكان يميل بحكم طبيعته السيكولوجية إلى القراءة، والكتابة، والعزلة الإيجابية، وهي سمات أخذها عليه بعض رفاقه الذين تحفظوا على جمعه بين منصب رئيس الدولة والأمين العام للحزب، رغبةً منهم في فصل القيادة الفكرية عن الإدارة التنفيذية.
التوجه اليساري الصارم: بالرغم من مرونته الشخصية وإيمانه بآلية الحوار، إلا أن الخط السياسي العام الذي قاده (البيان اليساري) اتسم براديكالية حادة، واستطاع من خلال ثقله الفكري تمرير قراراته المصيرية وفرض هذا التوجه، حتى وإن حظي بالتحفظ أو عدم الموافقة الكاملة من بعض القواعد والقيادات.
شهادة تاريخية من "الصندوق الأسود" لشيخ الصحفيين
إن ما سلف ذكره يمثل قراءات مسحية وسياقات عامة مبثوثة عبر الفضاء الرقمي وشبكات البحث حول ملامح تجربة عبد الفتاح إسماعيل الديمقراطية. لكن ما يدفعني اليوم لفتح هذا الملف، هو الرغبة في تسليط الضوء على جانب خفي وأصيل، ربما لم يتطرق إليه أحد من قبل، بل ولعله غاب عن بطون الكتب والوثائق؛ إذ شاءت الأقدار أن أتعرف على تفاصيله المدهشة من فم الصحفي القدير الراحل، وشيخ الصحفيين اليمنيّين وعميدهم، الأستاذ صالح الدحان.

تربطني بالأستاذ الدحان علاقات إنسانية وفكرية عميقة ومتشعبة الاتجاهات، امتدت لأكثر من أربعة عقود من الزمن، وتحديداً منذ يوم عودته الحافلة من جمهورية الصين الشعبية وحتى يوم رحيله الحزين.
وهنا، يصبح من الواجب الأخلاقي والمعرفي إعطاء مساحة تليق بسيرة هذا الأستاذ الجليل الذي كان بمثابة "كوكتيل" مدهش من كل شيء؛ فقد جمعتني به أواصر الصداقة، ورفقة العمر، والقرابة بحكم صلة المصاهرة، في علاقة فريدة ممزوجة بشتى صنوف المعرفة والثقافة، والارتشاف من نبعه الفكري الذي لم نكن نرى له قراراً أو نهاية.
لذلك، أستطيع أن أدعي جازماً وبثقة بأنني كنت بمثابة "الصندوق الأسود" لصالح الدحان، وحافظاً لأسرار مسيرته الحافلة بالتحولات والتناقضات المبدعة، منذ التقيته في صنعاء، ومروراً بلقاءاتنا المتفرقة في تعز وعدن، وصولاً إلى أحاديثه الشيقة والعميقة عن محطاته التاريخية في بكين، وبغداد، والولايات المتحدة الأمريكية التي لم أرافقه إليها جسدياً، لكني عشت تفاصيلها وعبق أحداثها من خلال سرده الساحر.
لقد احتل الأستاذ الراحل صالح الدحان مكانة رفيعة واستثنائية في وجداني الثقافي، والتاريخي، والإنساني، وكان له الفضل العظيم في صقل الكثير من جوانب شخصيتي وتفكيري عبر أحاديثه الطويلة المستفيضة في جلسات ونقاشات ممتدة عبر جغرافيا واسعة، كان آخرها ثماني سنوات كاملة أمضيناها معاً في سكني الجامعي حتى وافته المنية في أواخر العام 2012. إن صالح الدحان لم يكن مجرد كاتب عابر في تاريخ الإعلام اليمني، بل كان رائد التنوير، ومؤسساً، وموجهاً، صاغ بوعيه الحاد وقلمه السيال ملامح الصحافة اليمنية الحديثة.
تجربة صحيفة "الشرارة" وبشائر الصحافة المتحررة
الجزئية المميزة التي خصني بها الدحان من بين سيل أحاديثه المتنوعة، هي تلك المرتبطة بالفكر الحقيقي والمستقبلي للإنسان الأنبل في تاريخ اليمن الحديث؛ الرئيس الشهيد عبد الفتاح إسماعيل. هذه الجزئية ترتبط بتوجهات عبد الفتاح المتأنية والعميقة نحو تكريس مفاهيم متقدمة وجريئة للديمقراطية والحريات العامة كانت تقبع في "أجندة" رؤيته للمستقبل.
ومع أن المعلومات التي أفادني بها الأستاذ صالح قد تبدو مقتضبة من حيث الحجم، إلا أن قيمتها المعنوية والتاريخية بالغة الدلالة، وتكاد تنسف الكثير من الأحكام الجاهزة التي نُسبت إلى هذا المناضل الجسور. وأنا هنا أسردها بكل أمانة وشفافية كما استقرت في مسمعي مباشرة من شيخ الصحفيين، مستخرجاً إياها من سجلات صندوقي الأسود.
لقد حدثني الدحان عن جانب مشرق وأصيل في تفكير عبد الفتاح إسماعيل؛ إذ قعد الرجلان طويلاً خلال فترة تواجد صالح الدحان في عدن في نقاشات مستفيضة تمحورت حول رغبة عبد الفتاح العارمة في خوض تجربة إعلامية رائدة وغير مسبوقة: تأسيس أنشطة صحافة موازية متحررة تماماً في طرح الآراء والأفكار، وبعيدة كل البعد عن قوالب الصحافة الرسمية السائدة آنذاك في اليمن الديمقراطي والتي كانت تخضع لرقابة صارمة من الحزب والدولة.
ولكي تنجو هذه التجربة من مقص الرقيب ومركزية القرار في العاصمة، فضّل عبد الفتاح إسماعيل أن يكون مقر هذه الصحيفة الموازية في محافظة حضرموت، على أن تصدر في الفترة المسائية. وبالفعل، تم الاتفاق على إطلاق اسم "الشرارة" عليها، وخرجت الفكرة إلى النور في أواخر العام 1969، وتولى صالح الدحان رئاسة تحريرها، وصدرت منها أعداد لافتة لفترة وجيزة.
ورغم أن الدحان لم يتوسع في تفاصيل ما حدث لاحقاً وأسباب توقفها، إلا أنني أذكر جيداً ذلك المقال الجنائزي البديع الذي خطه قلم صالح الدحان في نعي الزعيم جمال عبد الناصر، ونُشر في صحيفة "الشرارة"، قبل أن يعيد نشره المرحوم عز الدين ياسين في صحيفة "الوحدة" (والذي كان صاحب امتيازها ورئيس تحريرها وتصدر عن الدار الحديثة للطباعة والنشر في تعز).
لقد كان ذلك المقال آية في الروعة والبيان البلاغي، لدرجة أن الصحفي المصري المخضرم والمؤرخ الكبير أحمد حمروش -أحد أبرز أعمدة الصحافة والسياسة المصرية في العصر الذهبي لمؤسسة "روزاليوسف"- كتب مقالاً في مجلة "روزاليوسف" أشاد فيه بنص الدحان، واصفاً إياه بأنه:
"أروع وأعظم ما نُشر من نثـر في نعي جمال عبد الناصر على مستوى العالم العربي".
شهادة فضل النقيب في القلم الذي لا يُقلَّد
وهنا، أقف وقفة إجلال وإكبار أمام هذا الثنائي الأنبل في تاريخنا المعاصر: عبد الفتاح إسماعيل بنظرته الثاقبة وسعيه لتأسيس منبر تنويري متحرر يكسر جمود الخطاب الممنهج والصارم للدولة، وصالح الدحان الذي تجسدت فيه حكمة الاختيار كأحد أبرز الأقلام المقتدرة الفذة؛ صاحب القلم الذي لا يتكرر ولا يقلَّد.
ولعل خير ما يختزل عبقرية الدحان الصحفية هو ما وصفه به الصحفي المخضرم الراحل فضل النقيب في شهادته المأثورة، حيث قال:
"يكتب بمداد مشاعره «ماركة مسجلة» مصوراً كالرسام عالمه الداخلي، وما يجول في خاطره، وما يعنَّ له أثناء الكتابة، لذلك فهو أوسع مدى من الرسام المحكوم باللوحة وبالشخوص. والدحان شديد الإحساس بقارئه، يرفه عنه بالطرفة اللاذعة والمعلومة الطازجة وتلك اللغة التي تتبختر كالطاووس بألوانها الفاتنة ثم لا تلبث أن تحلق كالصقر مثيرة الفزع في أوساط الكتاب الذين ينقرون كالدجاج حبوباً قديمة وأخيلة سقيمة.
صالح يكتب بعقل فنان تهمه الصياغات، فهو من مدرسة إمام الصحفيين العرب «الجاحظ» الذي كان قادراً على التقاط المفارقات والنسج عليها وإبراز أوجه الفرادة في تجليات الحياة. وهذا الأسلوب لا يضيع الحقيقة ولا يضيق بالمعلومة وإنما يقدمها بصورة شخصية زاهية، وهذا لا يتأتى لأي قلم؛ فبجانب الموهبة التي هي هبة ربانية للموهوبين، هناك الثقافة التي تعب الدحان لتحصيلها وهناك التجربة التي قادته إلى بلدان عديدة، وكذلك تأبيه على التأطير والحزبية الضيقة واحتفاظه في أقسى الظروف بمساحة من الحرية التي هي ضرورية كالأوكسجين بالنسبة للكاتب".
ستبقى الشرارة حية والوعي خالداً
ختاماً، لا يسعنا ونحن نستحضر هذه الشذرات التاريخية إلا أن ننحني إجلالاً وتوقيراً لروحين عظيمتين صنعتا بجسارتهما وفكرهما ملامح حقبة من أبهى حقب الوعي اليمني؛ المناضل الشهيد عبد الفتاح إسماعيل، والفقيد شيخ الصحفيين صالح الدحان.
إن التئام فكر عبد الفتاح إسماعيل الاستشرافي مع قلم صالح الدحان التنويري الحُر في تجربة "الشرارة"، يمثل دليلاً دامغاً على أن الهّم الديمقراطي وحرية الكلمة لم يكن ترفاً أو شعاراً عابراً في مسيرتهما، بل كان عقيدة وإيماناً بضرورة تحرير العقل اليمني من قيود المركزية وضيق الرؤية الحزبية.
لقد رحل عبد الفتاح إسماعيل شهيداً مخلصاً لمبادئه، ومضى صالح الدحان إلى ربه تاركاً وراءه إرثاً لا يندثر، مبرهناً على أن الكاتب الحق هو من يرفض التدجين ويبقى متمسكاً بـ "أوكسجين الحرية" مهما بلغت قسوة الظروف وسنوات المنافي.
سلامٌ على روح الشهيد الجسور في عليائه، وسلامٌ على شيخ الصحفيين في مرقده، فقد غابا جسداً، وبقيا في وجدان الوطن منارتين للحق، والحرية، والتنوير، لا يخبو ضياؤهما أبداً.
