عام على غياب ياسين البكالي
كيف يتحول الصديق إلى ذاكرة حيّة لا تغيب؟

مرَّ عام كامل، وما زلتُ أتعلم كيف أنطق اسمه دون أن يثقل الحزن كاهلي. أن تكتب عن صديق، عن رفيق رحل فجأة، ليس بالأمر السهل، خصوصاً إذا كان هذا الصديق شاعراً يكتب الحياة كما يكتب الكلمات، بكل شفافية وصدق. في صباح الخامس عشر من مايو2025، كان العالم يمضي في عاداته اليومية، بينما كنا نحن نصارع حقيقة أن ياسين محمد البكالي لم يعد بيننا. لم يكن مجرد فقد شاعر، بل فقد مساحة من حياتنا اليومية، الصوت الذي كان يملأ الفراغ، الابتسامة التي كانت تهدئ أي ألم، والطاقة التي تمنحنا شعوراً بأن الحياة ما تزال محتملة. رحيله ليس حدثاً عابراً، بل كارثة وجدانية، اختبرت قدرة قلوبنا على الاستمرار.
لم يكن ياسين من النوع الصاخب الذي يفرض حضوره بالكلمات أو الأصوات العالية، لكنه كان يمتلك تلك القدرة النادرة على ملء المكان بضوء هادئ. كل جلسة معه كانت تجربة متكاملة، ساعات تمضي وأنت لا تشعر بها، حديثه يفتح أبواب الوعي، ويشعل قناديل الفكر، وابتسامته تحفر مساحة أمان داخل قلبك. كان من النادر أن يلتقيك أحدهم ويتركك كما كنت، فحضوره يغيّر الحالة المزاجية للجلسة بأكملها. لذلك، لم يكن غيابه مجرد فقدان شاعر، بل غياب صديق أخاف أن أصفه بكلمات مجردة، لأن حضوره كان ملموساً، محسوساً في تفاصيل صغيرة كحركة يده، أو نظرة عميقة، أو صمتٍ يفيض معنى.
القرية التي صنعت شاعر الريف
في قرية الدرجة بمديرية مزهر محافظة ريمة، حيث البيوت تتشبث بالسفوح والجغرافيا قاسية، بدأ الطفل ياسين يكتب نفسه. البيوت بسيطة، والطرق وعرة، لكن في هذا البيئة البسيطة تشكل الحس الشعري الذي سيحمله طوال حياته. هنا تعلّم الصبر، والقدرة على التحمّل، والاقتراب من معنى الحياة الحقيقية. كل شيء حوله كان مدرسةً: صوت العصافير، ضحك الأطفال، حفيف الأشجار، صوت الماء في الجدول… كل هذه التفاصيل صاغت شاعراً يعرف كيف يرى الجمال في أصغر الأشياء. البيوت والجدران القديمة لم تمنحه رفاهية، لكنها منحته رؤية مختلفة للعالم، رؤية تتأصل في اللغة وتجعل كل كلمة قصيدة.

منذ صغره، كانت الكتب نافذته الكبرى على العالم. لم يكن مجرد قارئ، بل مستكشف يبحث عن المعنى، عن الجمال، عن الحياة في الصفحات. بينما يلعب الأطفال، كان هو يغوص في الكتب، يكتشف الأفكار والفلسفة والتاريخ، ويصنع عالمه الخاص. شيئاً فشيئاً، بدأت اللغة تتشكل داخله، وكانت الكلمات تنتظر اللحظة المناسبة لتتحول إلى قصائد. لم يكن يعرف حينها أنه يسير نحو الشعر، لكن الشعر كان يسير نحوه بهدوء، وكأنه ميعاد مكتوب منذ البداية. القراءة منحته القدرة على صوغ الألم، وتحويله إلى لغة، وقدرة على نقل التجربة الداخلية للقارئ.
أول تجربة للحزن والفقد
الحياة لم تكن سهلة، وقد تعلّم ياسين معنى الحزن مبكراً. فقد والدته، ثم أخته الكبرى، وكانت هذه الخسارات المبكرة حجر الأساس لتشكيل وعيه الشعري والإنساني. تعلم أن يصغي للحزن، لا أن يهرب منه، وأن يحوّله إلى قصيدة. الفقد المبكر جعله شاعراً لا يكتب عن الألم فحسب، بل يكتبه، يعيش مع معانيه، ينسج منه لغة صادقة تتجاوز الأسلوب إلى الوجدان. هذا التدريب القسري على مواجهة الحياة المبكرة هو ما أعطاه عمقاً في النظر، وقدرة على التقاط لحظات الألم والبساطة في آن واحد.
في نهاية التسعينيات، تعرّض لحادث مأساوي، حيث اختطفت سيارة صديقه من بين يديه، حينما كانوا يمرون معًا في إحدى شوارع صنعاء، أودت بحياته في الحال، تلك الصدمة تسببت له بمرض السكري الذي رافقه حتى وفاته. رغم هذا الألم الجسدي، والذي أوقفه في سنواته الأولى عن الحركة، لم يسمح له أن يحدد حياته أو يوقف إنتاجه. بل حوله إلى طاقة، وواصل الكتابة والإبداع. كتب وأنجز ما يقارب خمسة عشر ديواناً بعد إصابته، تحدى الإهمال، وتحدى الحرب، وتحدى الظروف الصعبة التي ألمّت بالبلاد، وكل ذلك دون أن ينتظر دعم المؤسسات الثقافية. كانت مقاومته اليومية للمرض رمزاً لإرادته، وتجسيداً حياً لشعاره الداخلي بأن الكتابة هي الحياة، والحياة هي مقاومة الألم بكل الوسائل الممكنة.
الفلسفة حياة لا دراسة
درس الفلسفة وعلم الاجتماع، لكنه لم يكن مجرد أستاذ يقدم محاضرات، بل كان يعلّم طلابه كيف يعيشون الأفكار. كان يرى أن المعرفة ليست حفظاً للمعلومات، بل تجربة تُعاش. كانت محاضراته مثل أمسياته الشعرية: ممتدة، عميقة، مليئة بالمعنى، تصنع وعي الطالب قبل أن تمنحه معلومات. طريقته في التفكير والإصغاء والمناقشة جعلت من كل لقاء معه تجربة إنسانية شاملة، وأنه لم يكن أستاذاً للفلسفة فقط، بل نموذجاً عملياً للفكر والحرية.
بدأت حياته الشعرية بالأمسيات الجامعية، القراءات المحدودة، والجمهور القليل، لكنها كانت منصة ولادة القصيدة. شيئاً فشيئاً، بدأ اسمه يتردد في الوسط الثقافي، وانتقل من الأمسيات الصغيرة إلى المنابر العربية، مهرجانات، تكريمات، حوارات تلفزيونية وصحفية، منتديات، وجوائز. كل ذلك لم يكن هدفه، بل كانت القصيدة نفسها هي الهدف. كانت القصيدة طريقه، وعبرها وصل إلى الآخرين، وخلق حضوراً لم يعرف الانقطاع حتى بعد رحيله.
شاعر الإنسان والوطن
في شعره لم يكن يبحث عن الجمال فحسب، بل عن الإنسان، عن الوطن، عن الحزن، عن الغربة، عن الحب المفقود، عن الأمل الذي يصرّ على البقاء. كتب عن الوطن كأنه يكتب عن البيت، وعن الإنسان كأنه يكتب عن صديق. كتب:

"وطني وأنت الأهل والأحباب… إن لم نجدك فكلنا أغرابُ
انت المسافر في شراييني بلا... تعب وأنت جميعهم لو غابوا."
كانت قصائده مرآة للمعاناة والوجع، لكنها في الوقت نفسه تعبير عن الأمل والصمود. كل كلمة منه تحمل روح التجربة الحقيقية، وتجعل القارئ يشعر أنه جزء من الألم والمعنى معاً.
أكثر ما يترك تأثيراً عند من يعرفه ليس الشعر فقط، بل الإنسان الذي يقف خلف الكلمات. كان بسيطاً، صادقاً، قريباً من الجميع، لا يعرف الحقد، ولا يجيد المجاملات. لم يكن مجرد صديق، بل كان أخاً، معلماً، مثالاً حيّاً على الوفاء والصدق في زمن قلّ فيه ذلك.
صباح الرحيل
في فجر الخامس عشر من مايو 2025، انتهت رحلة المرض، وبدأت رحلة الغياب. الخبر جاء كصاعقة، شعرت معها وكل من عرفه أن العالم أصبح أقل حرارة، أقل إنسانية، وأن مكاناً كبيراً فارغ الآن في المشهد الثقافي والوجداني. لكن الحزن كان أكبر من مجرد فقد؛ كان شعوراً بفقد الإنسان الذي يعرف كيف يحوّل كل تجربة إلى قصيدة، كل ألم إلى لحظة شعور، وكل فكرة إلى شعور جماعي.
بعد مرور عام، نكتشف أن الشعراء لا يموتون كما يموت الناس العاديون. حضورهم يمتد في الكلمات، في الذكرى، في النصوص، في القلوب. ياسين البكالي لم يغادر، بل انتقل إلى شكل آخر من الحياة، شكل حيّ في قصائده، في ذكرياتنا، وفي كل تجربة ثقافية أو إنسانية كانت شاهدة على وجوده.
بعد عام على الرحيل، لا نقول وداعاً، بل نقول: ما زلنا هنا… وما زلت معنا. وما زال صوتك الحنون، وحضورك الصادق، وشعرك الذي يكتب الألم والفرح والحنين… يرن في أعماقنا بلا توقف.
