الإثنين 18 مايو 2026

العقل الخرافي وسلطة الوهم

العقل الخرافي وسلطة الوهم

العقل الخرافي لا يحتاج إلى حقائق علمية تقنع وعيه أو تجيب عن أسئلته، بقدر حاجته إلى ميثولوجيا تغذي أوهامه وتداعب عواطفه، خصوصا حين تتشح برداء ديني وتغتسل بالبعد الميتافيزيقي. أما العقل البدائي، فلا يقتات إلا على البروباغندا الزائفة، ولا يعيش إلا داخل طوبى الأيديولوجيا المخادعة.


ولكي تُستثار الجموع وتُقاد العوام، يكفي نسج حكاية خرافية ذات نفحة مقدسة، تشبع الرغبات المكبوتة وتمنح الوهم هيئة اليقين. عندها يصبح الحشد كامل الطاعة، سريع الانقياد، مستسلما لكل ما يُملى عليه. فكلما ازداد الخطاب غرقا في الغيبيات والأسطرة، ازداد العقل الهش قابلية للتأثر والتسليم.

إن الوعي المأزوم تصنعه الشائعة، وتوجهه الخرافة، وتحركه العاطفة المنفلتة، لذلك لا يثبت على مبدأ، ولا يستقر عند حقيقة. وعلى النقيض من ذلك، يقف العقل العلمي المتأمل، المحصن بالمعرفة والمسيج بالوعي، عصيا على التضليل، غير قابل للانخداع بالوعظ الشعبوي أو السرد الإعجازي الذي يقدَّم بوصفه حقيقة مطلقة.

فالعقل المعرفي لا يتلقى الأفكار بوصفها يقينا نهائيا، بل بوصفها موضوعا للفحص والمراجعة والنقد والشك المنهجي. إذ إن كل دوغما، مهما اكتست بالمقدس، تظل قابلة للتفكيك وإعادة النظر.

وحين تصبح الثقافة مشبعة بثارات التاريخ وأحقاده، فإنها لا تكتفي بتخوين الماضي وشيطنة الحاضر، بل تمتد لإحراق المستقبل نفسه. إنها ثقافة ما تزال تتنفس غبار داحس والغبراء، وتعطس دخان صفين والجمل، وتقتات على بارود جالديران ومرج دابق، وكأنها عاجزة عن مغادرة ذاكرة الدم والثأر.

هذه الذهنية الثأرية لا تعترف بالاختلاف، ولا تؤمن بالتعايش، بل تمارس الإقصاء ضد كل من يرفض الخضوع لأوهام الأيديولوجيا. فلا مكان في قاموسها للحياد أو التفكير الحر؛ إما الطاعة العمياء، وإما التخوين والاتهام والنفي المعنوي.

إنها تطالب الفرد بأن يصادر عقله، ويتخلى عن علميته، ويتحول إلى رقم مطيع داخل القطيع، وصوت صامت داخل الحشد؛ حشد تصنعه الجهالة ويقوده النفاق. وعندها يغدو الدين مختزلا في شخص المرشد أو الشيخ أو الولي، الخ.

وباختصار، فإن العقل الخرافي لا يمنح الإنسان خيارا حقيقيا: إما أن تعيش أسير الوهم مستسلما له، أو تغادر فضاءه كله.