الإثنين 18 مايو 2026
  • الرئيسية
  • حاتم أبو حاتم.. ذاكرة وطن ومسيرة نضال

حاتم أبو حاتم.. ذاكرة وطن ومسيرة نضال

حاتم أبو حاتم.. ذاكرة وطن ومسيرة نضال

تلقيت يومنا هذا نبأ وفاة المناضل اللواء حاتم علي هادي أبو حاتم، الذي وافته المنية عن عمر الثامنة والسبعين عامًا، قضى معظمه في خدمة الوطن، مناضلًا صادقًا، ورجلًا حمل همّ اليمن في قلبه وفكره ومسيرته، وظل ثابتًا على مبادئه حتى آخر أيام حياته.

لقد نحر الحزن كلماتي، وجمّدها في حنجرتي، وأفقدني ملكة الكتابة، وأعجزني عن صياغة هذه المرثاة؛ فقلمي تجمد عن شجي نواحه، وجفني نضب عن مدرار دموعه، وكلماتي كُفِّنت في كلمة تنوح، وحرف يحترق، وتعبير يبكي، وبيان يشهق، وألفاظ تهطل شجًى وحزنًا. صمت الحرف وانتحر، وغاض الدمع واختنق، ومات الكلام واحترق...

وما الموت إلا سارقٌ دقَّ شخصُهُ

يصول بلا كفٍّ ويسعى بلا رجلِ

تعرفت إلى الفقيد عن قرب في منتدى الأربعاء، في منزل الأستاذ عبدالحميد الحدي، قبيل تحقق وحدة الـ22 من مايو 1990م المباركة بسنتين تقريبًا، تلك الوحدة التي ستحل ذكراها السادسة والثلاثون الأسبوع القادم، وتعمقت صداقتنا أكثر فأكثر في منتدى صديقنا المشترك المناضل المستشار عبدالمجيد ياسين، حيث كنا نلتقي كل يوم جمعة حتى قبيل مرضه الأخير.

ولقد شرّفني الفقيد بالاطلاع على مسودة مذكراته، وهي عبارة عن مقابلات صحفية أجرتها منصة خيوط معه، حلقةً حلقةً، وكنت أقرأها بشغف متزايد. لم أكن أعرف الكثير عن مراحل النضال التي خاضها، فوجدت من خلال تلك الحلقات أن تلك المراحل تكاد تغطي كل سنوات حياته منذ ريعان شبابه، حين شارك المناضل السبتمبري عبدالكريم عباس المنصور – الذي تولى، فجر السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، إخضاع لواء صعدة بعد الثورة مباشرة – إذ كان الفقيد من أوائل الشباب الذين انخرطوا في الحرس الوطني، وكان من أولئك الرجال الذين دافعوا عن الثورة والجمهورية.

ولم أعرف تلك المراحل إلا من خلال حلقات مذكراته؛ لأن الفقيد كان من أولئك الرجال الذين يفضلون الصمت على الحديث عن أنفسهم، ويتركون الأفعال تتكلم عنهم. فلم يحدثنا يومًا عن مواقفه النضالية، ولا عن محطات عمره القاسية والمضيئة، حتى قيّض الله منصة خيوط، التي وفقت في صياغة أسئلة عميقة وبسيطة في آنٍ واحد، بدت كأنها مفاتيح لذاكرة ظلت مغلقة طويلًا.

جاءت إجاباته وكأنها يد فنان ترسم لوحة فسيفسائية؛ كل حلقة تكمل ما قبلها، وكل تفصيل يضع حجرًا جديدًا في تلك اللوحة، دون ادعاء أو تزييف، تاركًا للقارئ تقييم المواقف والاختيارات.

كنت أشعر بسعادة غامرة وأنا أقرأ، خاصة عندما بدأت الأسئلة من أبسط نقطة: تاريخ ومكان الميلاد. كان الجواب أشبه بترجمة متكاملة لشخصية الفقيد، أخذتنا إلى النشأة الأولى، إلى حياة الرعي والفلاحة، إلى القرية، وإلى سيرة والده، الذي كان فارسًا يمتطي الخيل بمهارة، وكان الوحيد في قريته الذي يمتلك بندقية “زكي كرم”، كما كان من المقربين لسيف الإسلام العباس بن الإمام يحيى.

وامتد السرد لمحطات حياته منذ الطفولة، ثم التحاقه بمدرسة الإصلاح وسكنه في حارة الجلاء، وتتابعت المحطات التي كنت أجهل الكثير من تفاصيلها، فيما واصل الصحفي النبش في ذاكرة الفقيد نبشًا وطنيًا نزيهًا، حفّز ابنته “حنان” على جمع هذه الحلقات وترتيبها وطباعتها، إيمانًا منها بأهمية توثيق تجربة جيل كامل.

ذلك الجيل الذي شارك في أولى المظاهرات ضد النظام الملكي البائد، وحمل السلاح دفاعًا عن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة عام 1962م، فالتحق بالحرس الوطني. ولم تكن تلك الحلقات مجرد سيرة شخص، بل سيرة وطن في حياة مناضل.

ولم تتوقف مسيرة الفقيد عند حدود الوطن، بل امتدت إلى تحصيل العلم والتفوق؛ حيث درس في الاتحاد السوفيتي، وكان من المتفوقين، وكان أول طالب يمني يكتب عن بلده في صحيفة البرافدا. وقد توسعت رؤيته القومية والإنسانية، وظل حاضرًا في القضايا الكبرى لأمته. كما شارك في حركة 15 أكتوبر 1978م انتقامًا للرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، إيمانًا منه بمشروع الدولة الوطنية العادلة.

وكان له نشاط قومي واسع؛ إذ عمل رئيسًا للجنة اليمنية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني، وعضوًا في المؤتمر القومي العربي، وعضوًا في المؤتمر القومي الإسلامي، وعضو الأمانة العامة للمؤتمر العربي للقوى الشعبية – بغداد، وعضو ملتقى الحوار الثوري الديمقراطي – ليبيا، وعضو اللجنة القومية العربية لمقاومة التطبيع.

كما كان من المؤسسين وعضو مجلس أمناء مؤسسة القدس العالمية، وعضوًا في اللجنة اليمنية لمناصرة القضية الفلسطينية، وعضوًا نشطًا في الهيئة الإدارية لمؤسسة القدس. ولم تغب عنه القضايا الإنسانية العالمية؛ فكان عضوًا في لجنة المناصفة للألبان في البوسنة والهرسك، وعضوًا في الحملة اليمنية لفك الحصار عن العراق، وعضوًا في الحملة اليمنية لفك الحصار عن فلسطين، وعضوًا في لجنة التضامن مع السودان حين قصفت الولايات المتحدة مصنع الأدوية هناك.

لقد قدم الفقيد شهادته على العصر بنزاهة وصدق، ووفاءً لجيل آمن بأن النضال مسؤولية، وبأن الوطن أكبر من الأفراد، وبأن القضايا العادلة لا تموت ما دام هناك من يحملها في قلبه ويدافع عنها بصمت وشرف.

هذه الصفحات هي محاولة لنبش الذاكرة، لا بحثًا عن الماضي فقط، بل حفاظًا على المعنى، وصونًا لسيرة الرجال الذين صنعوا بصدقهم وتضحياتهم صفحات مضيئة في تاريخ اليمن الحديث، وظلوا أوفياء لمبادئهم حتى آخر لحظات أعمارهم. لقد كان الفقيد مثالًا للمناضل الصادق الذي لم تغره المناصب، ولم تغيّره تقلبات السياسة، بل بقي ثابتًا على مواقفه، منحازًا لوطنه وأمته وقضاياها العادلة.

وبرحيله خسر الوطن واحدًا من رجاله الأوفياء الذين جمعوا بين شرف العسكرية، ونقاء الموقف الوطني، وصدق الانتماء، ووجاهة الرجل القبلي الأصيل. لقد عاش مدافعًا عن قضايا وطنه، وفيًا لرفاقه، مؤمنًا بأن الكلمة موقف، وأن النضال شرف ومسؤولية. ولم تكن خسارته مقتصرة على أسرته ومحبيه ورفاقه، بل هي خسارة لوطنٍ بأكمله؛ فقد غادرنا رجل من رجال النضال الذين تركوا بصماتهم في ميادين العطاء، وفي ذاكرة الجيش والتنظيم والجامعة والمجتمع.

وسيظل اسم اللواء حاتم أبو حاتم حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه، بما اتصف به من تواضع ونبل وصدق وإخلاص، وستبقى سيرته العطرة وذكراه الطيبة حاضرتين في وجدان الأجيال القادمة.

وإذ أكتب هذه السطور ومقلتاي تترقرقان بالدموع، أتقدم بأحر التعازي وأصدق المواساة إلى أسرة الفقيد، وأخص زوجته وابنته “حنان”، وولديه معمر وعلي وأولادهم، وشقيقه المهندس ناجي علي هادي أبو حاتم، وكافة أسرته ومحبيه ورفاق دربه، وزملائه في المؤسسة العسكرية، ورفاقه في التنظيم الوحدوي الناصري، وزملائه، وإلى الشعب اليمني كافة، سائلًا المولى عز وجل أن يعظم أجرهم، ويجبر مصابهم، ويلهم قلوبهم الصبر والسلوان، وأن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، ويكرم نزله، ويوسع مدخله، ويسكنه الفردوس الأعلى جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وأن يجعلنا وأهله وذويه من المبشرين الذين: ﴿إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.

رحم الله المناضل اللواء حاتم علي هادي أبو حاتم رحمة واسعة، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء.