الأحد 8 نوفمبر 2026

سقوط البردعة

في غفلة من الحراس، تسلل جحا عبر طوابير وصفوف حراسة مجلس سلطان الزمان العباد، سيد كل البلاد، وتمكن من الوصول إلى بهو مجلس مولاه السلطان وكبار القوم وقادة العسس وهيئة أركان مملكة السلطان.

والكل أصيب بالبغتة والدهشة والذهول. كيف للمهرج جحا أن يجتاز حراسات ديوان السلطان، وهي محصنة ومحروسة بفيالق العسس ورجالات أمن الدولة وقادة الأفرع وكل ما يخطر على بال ويحول دون مجرد التفكير باجتياز هذا الحصن المنيع؟ نعم، نعم، منيع، يعكس قوة وجبروت مملكة مولانا السلطان.

كانوا كلهم بمجلس مولانا السلطان على ثقة بأن لا ولن يتمكن أحد من اجتياز حراسات مولانا السلطان، لا إنس ولا جان. لكن الجمع تناسى أن جحا من طينة أخرى، لا تنطلي عليه ألاعيب مافيات مملكة السلطان، ويعرف أين تكمن نقاط الضعف التي يخر منها الماء، ومن أين تتسرب إليها الحنشان.

جحا خبير عليم بما يدور بأروقة مولاه السلطان. يعلم من أين تؤكل الكتف، وما يخشاه ولا يخشاه مولاه السلطان. جحا علمته الدنيا أمور السوق وخبايا أقبية القصر ومهازل سجون السلطان. لديه أسرار ومفاتيح قصر السلطان، كما يعلم سر أسرار حرملك السلطان وأسرار كبار عملاء سوق تبادل الأسرار، ويعلم موعداً يعلن فيه سماسرة السوق مفاجآت السوق، وعلى من يرسو العطاء المتمثل برضى السلطان والدفع بالذهب الرنان.

جحا متمرس بشؤون السوق، وحين تلعب برأسه فكرة شيطانية، يدعي أن حماره بالسوق قد تعرض للابتزاز حين هاجمته عصابة تحاول الانقلاب على مولاه السلطان. وكانت أولى خطوات المؤامرة إسقاط بردعة حمار جحا.

كانوا على ثقة أن حمار جحا مخبر سري للسلطان، ينقل عبر جحا أخبار السوق وأسرار الصفقات، ويحول دون تمكنهم من عقد المزيد من الصفقات مع بعض كبار حراس قصر السلطان.

وتشاء الأقدار حين تنبه جحا فجأة وفاق من غفوته على صوت مزعج من نهيق حماره دون توقف. ولما أفاق وجد حماره قد فقد بردعته. أيقن حينها أن سره انكشف، وأن أموراً جللاً ستصيب سوق مولاه السلطان، وأن خسائر جمة ستلحق ليس فقط بخزينة مولاه السلطان، لكن اقتصاد سلطنة السلطان سيصاب بكارثة وركود، تتبعهما ظاهرة تضخم وغلاء أسعار، وتفقد عملة السلطان قيمتها، ويصاب البلد وأهله بالبوار وضيق الحال.

كانت لحظة مصيرية، إما أن يصمت ويتفاهم مع القوى الشيطانية التي أطاحت بالسوق واستقراره، وبالتالي تلقي عليه وعلى حماره التهمة، خاصة أن البردعة كانت تتنصت لخطوة النملة بالسوق وتبلغها لجحا فوراً، ليبلغها لمولاه السلطان عبر قنوات يعرفها، وهو مصدر ثقة عندها.

يومها استشعر جحا بأن أمراً جللاً حدث، وأن مؤامرة خارجية عبر أطراف داخلية على خلافات حادة مع مولاه السلطان. لذا قرر التسلل سراً كي يصل رأساً إلى مولاه السلطان، حتى ولو كان بمخدع محظيته التي يركع لجمالها الإنس والجان.

لذا سأله بحدة: ما الذي أتى بك هنا؟ أأمر جلل قد حدث؟

نعم مولاي، عصابة أسقطت جهاز الإنذار الذي أدير به السوق حسب أوامركم.

رد السلطان بحدة: ويحك، ماذا تقصد؟ هل سقطت بردعة السلطان، وسقط كل الجاه وقوة أدوات سيطرة السلطان على أركان السوق؟ فإن اهتزت، فقد اهتزت أركان دولة السلطان.

صمت جحا، فقد خسر حماره، وخسر السلطان موارد السوق التي كان بها يتلاعب، ليس فقط بأوضاع السوق، لكن بأركان مملكة السلطان.

صمت جحا وخرج مسرعاً يبحث عن حماره، وبعدها يفكر كيف يغير وكيف يطور بردعة حمار سوق السلطان، لتواكب واقع عصر الذكاء الاصطناعي وذكاء ودهاء خوارزميات مافيات تلعب ليس فقط بالأسواق، بل بالأوطان.