التطرف وتوظيف الدين في تدمير البلدان
تحولت بعض الحركات والتنظيمات والجماعات المتطرفة التي رفعت شعارات الدين واتخذت منه غطاءً لمشروعاتها السياسية والعسكرية إلى أدوات للصراع على السلطة والنفوذ، ووسائل لتفكيك المجتمعات وإشعال الحروب وتدمير البلدان. فقد وجدت قوى سياسية وإقليمية ودولية في هذه الكيانات فرصة لتوظيف الدين في معاركها، وتحويل الاختلافات المذهبية والعقائدية إلى وقود لصراعات تتجاوز حدود البلدان التي تنشط فيها.
أدركت القوى الساعية إلى توسيع نفوذها أن السيطرة على المجتمعات لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وأن استغلال المعتقدات والانتماءات الدينية يمثل وسيلة شديدة التأثير في توجيه الجماهير وحشدها. ومن هذا المدخل جرى توظيف الخطاب الديني في صناعة الولاءات، وتعبئة الأتباع، وتبرير العنف، وإضفاء شرعية مقدسة على مشروعات لا تمت بصلة إلى جوهر الدين ومقاصده الأخلاقية والإنسانية.
وتكمن خطورة هذه الحركات والتنظيمات والجماعات في توظيف التدين المغشوش، وتقديم نموذج مشوّه ومسيء للدين، يقوم على تحريف المفاهيم، واحتكار تفسير النصوص، وتضليل الأتباع، وإعادة تشكيل وعيهم وفق رؤية مغلقة، تجعل من أفكارها واجتهاداتها أحكامًا مطلقة، ومن مخالفيها خصومًا يستحقون الإقصاء والعداء. وهكذا تحوّل هذه الكيانات الدين من منظومة قيم تقوم على العدل والرحمة وصيانة كرامة الإنسان إلى غطاء للتعبئة والتحريض وتبرير العنف، وتُوظّف العقيدة وسيلة للسيطرة، وتجعل من الاختلاف مبررًا للصراع وسفك الدماء.
وكشفت تجارب عديدة أن نشأة الجماعات المسلحة وتوسعها لم يكونا دائمًا نتيجة عوامل داخلية فقط، بل ارتبطا في حالات موثقة بحسابات قوى خارجية رأت في دعم الحركات المتمردة أو الجماعات المسلحة وسيلة لاستنزاف خصومها، أو زعزعة استقرار بلدان منافسة، أو ممارسة النفوذ دون تحمل تكاليف المواجهة المباشرة. وتعددت وسائل هذا الدعم بين التمويل والتسليح والتدريب وتوفير الملاذات والدعم السياسي والإعلامي، فضلًا عن توظيف الانتماءات الأيديولوجية والمذهبية في خدمة المصالح الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، لم تكن صناعة بعض الكيانات المتطرفة دائمًا عملية تأسيس مباشر من الصفر، بل اتخذت أشكالًا متعددة، من بينها دعم تنظيمات قائمة، أو تشجيع تيارات متشددة، أو استثمار الانقسامات الداخلية، أو توفير الظروف التي تسمح لجماعات مسلحة بالنمو والتمدد. وقد كشفت دراسات عديدة أن الدول قد تلجأ إلى دعم جماعات مسلحة خارج حدودها لتحقيق أهداف سياسية، لكنها لا تضمن بالضرورة بقاء تلك الجماعات تحت سيطرتها، إذ تمتلك هذه التنظيمات مصالحها وأجنداتها الخاصة، وقد تتحول من أدوات في حسابات الآخرين إلى قوى مستقلة يصعب احتواؤها.
وتبرز هنا واحدة من أخطر مفارقات التدخلات الخارجية؛ فالقوة التي تظن أنها تستطيع استخدام جماعة متطرفة لتحقيق أهداف مؤقتة قد تجد نفسها أمام كيان يمتلك السلاح والمال وشبكات النفوذ، ولا يعترف بالحدود التي رسمتها له الجهة الداعمة. وقد تتحول الأداة إلى عبء، والرهان السياسي إلى تهديد أمني، وتصبح نتائج التدخل أكبر من الحسابات التي بُني عليها.
أما هذه الحركات والتنظيمات والجماعات، فقد وجدت في الفوضى والحروب وضعف المؤسسات بيئة مناسبة للتوسع، واستغلت المظالم الاجتماعية والاقتصادية، وتراجع الخدمات، وغياب العدالة، وانهيار الثقة بين المجتمع والسلطات القائمة، لتقديم نفسها بديلًا عن المؤسسات. واستخدمت الشعارات الدينية في استقطاب الشباب، وتجنيد الأتباع، وتبرير السيطرة على المناطق والموارد، وإقامة سلطات موازية لا تقوم على المواطنة أو القانون، بل على القوة والولاء والطاعة.
وامتدت آثار هذه الممارسات إلى ما هو أبعد من المواجهات المسلحة، لتطال النسيج الاجتماعي، وتثير الكراهية بين مكونات المجتمع الواحد، وتضرب التعليم والثقافة والحياة العامة، وتضعف الاقتصاد، وتوسع دوائر الفقر والنزوح والحرمان. كما أسهمت في تحويل الخلافات السياسية والفكرية إلى صراعات هُويّاتية مفتوحة، يصعب إنهاؤها حتى بعد توقف المعارك، لأن آثار التحريض والتعبئة الطائفية تظل حاضرة في الوعي الجمعي لسنوات طويلة.
وتتجلى خطورة هذه الكيانات أيضًا في سعيها إلى احتكار الحقيقة والحديث باسم الدين والمجتمع، ومصادرة حق الآخرين في الاختلاف، وفرض تصوراتها بالقوة، والتعامل مع السلطات القائمة باعتبارها عوائق أمام مشروعاتها. وبدلًا من بناء حياة سياسية تقوم على التعددية والمشاركة والمواطنة المتساوية، تعمل على تكريس حكم يقوم على الإكراه، وتستبدل سلطة القانون بسلطة السلاح، وتضع الولاء للتنظيم فوق الانتماء للمجتمع والالتزام بالمصلحة العامة.
وساعدت وسائل الإعلام ومنصات الاتصال الحديثة في توسيع قدرة هذه الكيانات على نشر خطابها وترويج دعايتها، وتضخيم حضورها، واستقطاب الأتباع عبر الصور والمقاطع والخطابات العاطفية، وصناعة روايات تقوم على المظلومية والتخويف والتكفير والتخوين. وأصبح التضليل الإعلامي والفكري وسيلة لتوجيه الرأي العام، وتزييف الحقائق، وتبرير الممارسات المتطرفة، وصناعة صورة زائفة عن الواقع والأحداث. وأصبحت المعركة على الوعي لا تقل خطورة عن المعركة على الأرض، لأن السيطرة على العقول وتوجيه المشاعر يمثلان مدخلًا لتجنيد الأفراد وإدامة الصراع وإعادة إنتاج التطرف.
وتتوزع مسؤولية هذه الكارثة بين الحركات والتنظيمات والجماعات المتطرفة ذاتها، والجهات التي دعمتها أو وفرت لها أسباب النمو والانتشار، والقوى التي استخدمت تناقضاتها في صراعات النفوذ، والسلطات التي أفسحت ممارساتها القمعية والفساد وغياب العدالة المجال أمام تمددها. فالتطرف لا ينمو في فراغ، ولا تتحول الجماعات المسلحة إلى قوى مؤثرة بمعزل عن بيئة سياسية واجتماعية تسمح لها باستغلال الأزمات والانقسامات.
ومن الضروري التمييز بين الدين وممارسات من اختطفوا اسمه وشوهوا معانيه. فالأديان لا تتحمل مسؤولية توظيفها في الصراع على السلطة، ولا يجوز الخلط بين الإيمان والتطرف، أو بين التدين الحقيقي والتدين المغشوش، أو بين القيم الدينية الأصيلة والنموذج المشوّه الذي تقدمه الجماعات المتطرفة. وتكمن المشكلة في تحويل المعتقد إلى أداة سياسية، واحتكار تفسيره، واستخدامه لإلغاء الآخر ومصادرة حقوقه.
وتتطلب مواجهة هذه الظاهرة معالجة الأسباب التي أنتجت بيئات التطرف، وبناء مؤسسات قادرة على فرض القانون وتحقيق العدالة، والعمل على بناء دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والديمقراطية والتعددية السياسية، وتضمن تداول السلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة، إلى جانب حماية التعليم والثقافة وحرية التفكير والتعبير، وتجفيف منابع تمويل العنف، ومحاسبة كل من يشارك في تسليح الجماعات المتطرفة أو تمويلها أو توفير الغطاء السياسي والإعلامي لها. فالمواجهة العسكرية، مهما بلغت قوتها، تظل محدودة الأثر ما لم تقترن بمعالجة الجذور الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تغذي التطرف وتعيد إنتاجه.
وأثبتت التجارب أن البلدان التي تتحول إلى ساحات لتصفية الحسابات، وتُستخدم مجتمعاتها وقودًا لمشروعات الآخرين، تدفع أثمانًا باهظة من دماء أبنائها ومواردها ومستقبل أجيالها. فالجماعات التي ترفع شعارات الخلاص بينما تمارس الإقصاء والعنف، والقوى التي تتحدث عن حماية المصالح بينما تمول الفوضى وتغذي الانقسامات، تتحمل مسؤولية تفكيك المجتمعات وإطالة معاناة شعوبها.
إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له المجتمعات هو أن يصبح الدين غطاءً لمشروعات العنف، وأن تتحول المقدسات إلى أدوات للصراع، وأن يُختطف وعي الناس باسم العقيدة، بينما تُنهب بلدانهم وتُدمر مؤسساتهم وتُستنزف مقدراتهم. فالدين لا يمنح أحدًا حق احتكار الحقيقة أو مصادرة حياة الآخرين، ولا يمكن أن يكون مبررًا للقتل والتدمير والاستبداد.
فالبلدان تُبنى بالوعي والمؤسسات وسيادة القانون، والمجتمعات تتماسك بالمواطنة والعدالة واحترام الاختلاف، والدين يُصان بقيمه الإنسانية والأخلاقية، ومصالح الشعوب تتحقق بإرادتها الحرة، لا بتحويلها إلى أدوات في صراعات القوى. ويبقى الوعي السبيل إلى كشف التضليل، وتحرير المجتمعات من قبضة التطرف، وحماية حق الأجيال في الحياة والأمن والكرامة.



