الأحد 8 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • صراع الممرات المائية.. باب المندب والبحر الأحمر في قلب الاستراتيجيات الدولية

صراع الممرات المائية.. باب المندب والبحر الأحمر في قلب الاستراتيجيات الدولية

إذا كانت اتفاقيات الماضي ركزت على اقتسام اليابسة ورسم الحدود البرية على الخرائط، فإن صراعات القرن الحادي والعشرين تتخذ أبعادًا أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع الجغرافيا الاقتصادية مع الأمن العسكري. وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، تبرز الممرات المائية الاستراتيجية كعصب رئيسي لحركة التجارة العالمية، ومسرحًا تتصارع فيه أجندات القوى الكبرى والإقليمية. ويأتي البحر الأحمر ومضيق باب المندب في طليعة هذه النقاط الساخنة، ليتحولا من شرايين للحياة والتواصل الحضاري إلى ساحات تجاذب دولي تكشف هشاشة الدول المشرفة عليها عجزًا وتأثيرًا.

الجغرافيا حين تتحول إلى عبء استراتيجي

على مدى التاريخ، مثّلت المواقع الجغرافية المميزة ميزة تفضيلية للدول والشعوب، تتيح لها لعب دور إيجابي في التبادل التجاري والثقافي. لكن هذه القاعدة قد تنقلب رأسًا على عقب عندما تفتقر الدول المشرفة على تلك الممرات إلى الاستقرار الداخلي والمؤسسات القوية.

فاليمن، على سبيل المثال، يمتلك موقعًا فريدًا يربط الشرق بالغرب ويتحكم بأحد أهم المضائق المائية في العالم (باب المندب). غير أن هذا الموقع الاستراتيجي لم يمنح البلاد مناعة ضد التدخلات، بل زاد من كلفة الانقسام الداخلي وتآكل مؤسسات الدولة. فعندما تغيب الدولة الوطنية القادرة على حماية سيادتها ومقدراتها، تتحول الجغرافيا من "مورد وطني استراتيجي" إلى "مغناطيس" يجذب أطماع القوى الخارجية ويجعل أمن الملاحة الدولية رهينًا بالصراعات المحلية والإقليمية.

أمن الملاحة وصراع النفوذ الدولي

لم يعد التعامل مع أمن البحر الأحمر وباب المندب شأنًا محليًا يخص الدول المطلة عليه وحدها، بل غدا جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي العالمي للطاقة والتجارة. ومع تزايد التوترات الجيوسياسية، وتسابق القوى الكبرى (التقليدية منها والصاعدة) لتأمين خطوط إمداداتها الاقتصادية والعسكرية، باتت المنطقة تشهد حشدًا عسكريًا غير مسبوق، وإقامة قواعد ونقاط ارتكاز تحت ذريعة حماية الملاحة الدولية.

لكن المثير للقلق هو أن المعالجات الدولية لهذه التوترات غالبًا ما تركز على البعد العسكري والأمني الضيق، متجاهلة الجذور الحقيقية للازمة المتمثلة في غياب الاستقرار السياسي الداخلي للدول المشرفة على هذه الممرات. فالقوى الكبرى تدير أزماتها في هذه المناطق بمنطق "إدارة الصراع لا حلّه"، بما يضمن بقاء نفوذها واستمرار سيطرتها على حركة التجارة والضغط السياسي، بغض النظر عن الكلفة الإنسانية والاستراتيجية التي تتحملها شعوب المنطقة.

التناقض بين المصالح الدولية والسيادة الوطنية

إن التحدي الأكبر الذي تواجهه الدول المطلة على الممرات الحيوية هو كيفية الموازنة بين حماية المصالح التجارية الدولية من جهة، وصيانة السيادة الوطنية المستقلة من جهة أخرى.

فالتدخلات الخارجية تحت لافتة "حماية التجارة الدولية" غالبًا ما تؤدي إلى تكريس واقع التبعية، وتهميش دور الحكومات الوطنية، وتحويل الأقاليم الساحلية إلى أوراق توظفها القوى الكبرى في صراعاتها الكبرى. وحين تفقد الدولة قرارها السيادي، تصبح عاجزة عن حماية ثرواتها ومياهها الإقليمية، وتتحول سواحلها إلى مسرح مفتوح لتقاطع البوارج والسفن الحربية الأجنبية.

نحو استراتيجية وطنية لحماية الموارد والممرات

إن حماية الممرات المائية الاستراتيجية مثل باب المندب والبحر الأحمر لا يمكن أن تحققها التحالفات الخارجية العابرة ولا القواعد العسكرية الأجنبية، بل طريقها الوحيد هو:

استعادة بناء الدولة الوطنية: التي تقوم على مؤسسات قوية وشفافة ومساءلة أمام شعوبها.

التوافق الداخلي: عبر إنهاء الانقسامات العبثية وتوحيد الرؤية الوطنية إزاء قضايا السيادة والأمن القومي.

التعاون الإقليمي المتوازن: بناء علاقات تعاون حقيقية بين الدول المطلة على البحر الأحمر تضمن أمنه المشترك بعيدًا عن الوصاية الخارجية.

خاتمة

إن الصراع الدائر اليوم على الممرات المائية والبحرية ليس سوى امتداد لتلك الصراعات التاريخية التي حاولت دومًا مصادرة إرادة شعوب المنطقة. وإذا كانت القوى الكبرى تراهن على ضعف الدول المشرفة على باب المندب والبحر الأحمر لإدامة نفوذها، فإن الوعي المتنامي بأهمية السيادة الوطنية يظل الرهان الأكبر. فالجغرافيا وحدها لا تصنع الاستقرار، بل تصنعه إرادة الشعوب الحية وقدرتها على تحويل مواقعها الاستراتيجية إلى جسور للتنمية والسلام لا إلى منصات للحروب والتدخلات.