محمد بن يحيى الزبيري وحكايات من حياته(4)

عندما كان ابن الزبير يتلقى تعليمه في رباط السيد محمد سليمان الأهدل بزبيد، وكان يومها في سنوات دراسته الأولى، عاد إلى القرية لزيارة أهله وأولهم والده الحاج يحيى محمد مصلح الزبيري الذي كان يعده للعمل في محاكم الدولة قاضيًا.
ووالده كان من أعيان تعز الذين رفعوا شكوى بمظالم الأتراك في اليمن في العهد العثماني، ويوجد ختمه إلى جانب مشايخ تعز الكبار الذين رفعوا تلك الشكوى، وفيها احتجاج قوي رافض للظلم في مناطق اليمن.
واشتهر والده بالزهد والتقوى، وامتلاكه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة التي جعل محاصيلها وحبوبها خبزًا يوزعه على المئات من الجوعى القادمين إلى قرية كرب من مختلف مناطق الحجرية وصبر.
ورغم كبر مساحة تلك الأراضي إلا أن منتجاتها كانت لا تكفي لإشباع أولئك القادمين إليه في سنوات الجوع المشتهرة في اليمن أيام الإمامة، فكان الحاج يحيى محمد الزبيري يقوم بشراء كميات كثيرة من أسواق الحبوب ومن الرعية الكبار ليسد رمق الجوعى القادمين على مدار ساعات اليوم.
وكان ابن الزبير حين عاد من زبيد قد أخبره والده أنه سيصطحبه إلى مدينة التربة لمقابلة القاضي حسين الجنداري، حاكم قضاء الحجرية، وكان القاضي الجنداري صديقًا من الأصدقاء المخلصين لوالده.
وذات يوم قرر الأب والابن الذهاب إلى التربة عاصمة قضاء الحجرية، وعلى ظهر الحمير حُملت كثير من محاصيل الشعوبة ومن جرار العسل والسمن كهدايا إلى بيت القاضي الجنداري.
وكان ذلك اليوم يوم إجازة، واستقبلهم القاضي الجنداري أمام سكنه الواقع فوق محكمة الحجرية بالمدينة، وقررا قبل الدخول إلى المسكن القيام بدورة في أطراف المدينة حتى يأتي وقت الصلاة في جامع الحلالي بالمدينة، وبعدها يعودون للغداء والمقيل في ديوان حاكم الحجرية.
وأثناء التجول في أطراف مدينة التربة طلب الحاج يحيى محمد مصلح الزبيري من القاضي الجنداري أن يختبر ولده محمد بن يحيى الزبيري بعد أن أخبر والده القاضي الجنداري أنه يتلقى تعليمه في رباط السيد محمد سليمان الأهدل بزبيد.
فسأل القاضي الجنداري الطالب محمد بن يحيى الزبيري سؤالًا نحويًا، فقال له: أعرب "أكلت السمكة حتى رأسها".
فقال له ابن الزبير:
أكل فعل ماضٍ
والتاء تاء الفاعل
السمكة مفعول به
حتى عاطفة
فقاطعه القاضي الجنداري قائلًا: "قد هي سع درجة البيت، قد هي سع درجة البيت".
وهو ما يعني أن الطالب نجح في الاختبار، بل تفوق في الاختبار، وكان القاضي يظن أن ابن الزبير لا يقدر على إعراب كلمة حتى في ذلك العمر، لكنه تفاجأ بالإجابة.
والتفت القاضي الجنداري إلى الحاج يحيى محمد مصلح الزبيري، وقال له: ولدك متفوق في دراسته، والمطلوب تشجيعه على مواصلة الدراسة حتى يحصل على الإجازات العلمية من شيوخ الرباط. وأخبره أن هذا الطالب سيكون له مستقبل رائع.
ويحكى أن ابن الزبير كان طالبًا ذكيًا متفوقًا على أقرانه في مدينة زبيد، لدرجة أن الشيخ محمد سليمان الأهدل كان يقربه منه ويصطحبه إلى بيته ويقدمه على أبنائه.
وكان تاجر في المدينة يدعى دعبوش أمصفاري يقوم كل يوم جمعة بذبح ثور كبير، ويدعو طلاب الرباط لحضور مأدبة غداء يقيمها على شرف طلاب علم ذلك الرباط، وكان يحضر تلك المأدبة كل أسبوع مع الطلاب شيخ من مشايخ الرباط ليلقي بعد الغداء وأثناء المقيل محاضرة يستفيد منها كل من يأتي للمقيل في ذلك الديوان الذي يحضره أغلب تجار المدينة وعلية القوم في زبيد، وتحول ذلك الديوان إلى منتدى أسبوعي يشارك فيه الطلاب بمداخلاتهم ونقاشاتهم.
وكان ابن الزبير من أفضل الطلاب الذين يقدمون مداخلاتهم القيمة، مما جعل مشايخه يطلبون منه أن يقوم بتقديم محاضرات في الجمع المطلوب منه تقديمها.
وبرز اسم ابن الزبير عند تجار المدينة وعند كل من يحضر منتدى دعبوش أمصفاري، وفي مرة من المرات غاب ابن الزبير، وكان في منتدى دعبوش أمصفاري طالب ضخم الجثة.
وفي ذلك اليوم غاب ابن الزبير والمشايخ الذين سبق لهم أن ألقوا محاضراتهم في المنتدى، فقام التاجر دعبوش أمصفاري بإدارة المنتدى، وطلب من الطالب ضخم الجثة أن يلقي محاضرة ذلك اليوم فتلعثم الطالب وعجز عن ذلك.
وعندما سأله التاجر عن عدم قدرته على المحاضرة وهو طالب بنفس الرباط الذي يدرس فيه الطالب ابن الزبير، أجاب أن ابن الزبير أسقاه السادة بيت الأهدل ذلك العلم، أما هو فلم يسقوه رغم أنه يدرس بنفس الرباط وعند السادة بيت الأهدل.
والحقيقة أن ذلك الطالب لم يكن يتمتع بالذكاء والتفوق الذي يتمتع به ابن الزبير رغم حداثة سنه، وكان الطالب الضخم الجثة تحجج بأن ابن الزبير أسقاه السادة بيت الأهدل العلم، تهربًا ومحاولة لإقناع من في المنتدى بتلك الإجابات الواهية.
ويحكي ابن الزبير أنه وفي فترة دراسته المتوسطة في رباط السيد محمد سليمان الأهدل، عاد إلى قريته، وذات يوم طلب منه خاله النقيب حمود عبدالله نعمان معصار الزبيري، أن يخرج معه إلى منطقة "ترس" شمال "الشعوبة".
وأثناء مرورهم بقرية "شعب حمران" شاهدا عراكًا بين فريقين من سكان تلك القرية، وقد انقسم السكان إلى فريقين، ودخلا في اقتتال بالهراوات والفؤوس، ودخلت نساء القرية في المعركة وقمن بقذف الحجارة على رؤوس المشتبكين من الفريقين، وبعد جهد جهيد وتدخل من بعض عقال القرية ومن النقيب حمود عبدالله نعمان معصار الزبيري، أوقف العراك، وطلبوا تحكيم النقيب حمود عبدالله.
فقال لهم أول الأمر اكتبوا أروش وجنايات الفريقين، وبعدها يكتب التحكيم من الطرفين وبعدها نحكم، فقالوا وأين نذهب لكتابة الأروش؟ فقال لهم هذا ابن أختي قاضٍ وابن قاضٍ درس عند علماء زبيد سيقوم بذلك.
وطلب النقيب حمود من أصحاب القرية تجهيز غرفة لاستقبال الذين تعرضوا لإصابات من الطرفين، وبدأ ابن الزبير بالرجال ثم النساء، وكان خاله حمود إلى جواره، وحين اكتمل العمل كتبوا تحكيمًا للنقيب حمود عبدالله، وبعد صلاة العصر افتقد المسألة وحكم بكل شيء وأنهى الخلاف، وطلب من أهل القرية دفع مبلغ 13 ريالًا لابن أخته ابن الزبير أجرة كتابة الأروش، فأعطوها له، وطلب لنفسه 30 ريالًا أجرة حل الخلاف، وقفلا راجعين إلى قرية كرب.
وفي الطريق طلب النقيب حمود من ابن أخته أن يعطيه المبلغ الذي معه، فأعطاه 5 ريالات، وبعد خطوات قال لابن أخته هل تدري ما قمت به؟ فقال ابن الزبير: لا أعلم.
فقال له خاله: شاهدتك وأنت تكتب الأرش لشابات القرية وأنت تنظر إلى وجوههن بشراهة، وخصوصًا حينما كنت تفتش أماكن الجروح الغائرة في رؤوسهن وفي أجسادهن، وإذا لم تدفع لي بقية المبلغ سأحكي لوالدك وسأشتكيك لأختي وسأقول لهما لماذا لم تؤدبا هذا المراهق الطائش.
وخشية أن يصل الخبر إلى والدته خضع لابتزاز خاله حمود ودفع له خمسة ريالات أخرى، وأصر خاله على أخذ ثلاثة ريالات متبقية، وإذا بابن الزبير يرفض الابتزاز ويقول لخاله سأقول لأبي وأمي أنك قمت بابتزازي ودفعت لك المبلغ خشية تشويه السمعة وأنت وجدتها فرصة لأخذ الباقي فرفضت.
وكان النقيب حمود عبدالله نعمان معصار الزبيري عريفة جيش الإمام أحمد الذي أرسله إلى عبيدة في محافظة مأرب للقضاء على ثورة أشعلها الشيخ بن معيلي في مأرب، وكان قائد الجيش السيد الشامي، والنقيب حمود عبدالله عريفة في ذلك الجيش.
وظلت الحرب شهرًا كاملًا، ولم تستسلم القبيلة ولم يستسلم بن معيلي ولم يستسلم رجاله، وبعد أن أطبق الجيش الحصار بعث بن معيلي ورجاله بزامل مكتوب في ورقة، وفيه:
"مرحى بكم يا اغمار
جتنا من شعابه
لوما بنا قل المعابر
كان زرعكم دنا صرابه"
فعرض قائد الجيش السيد الشامي ذلك الزامل على من حوله من قيادات الجيش، فقالوا هذا يدل على أن البدو على وشك التسليم، ويجب أن نباغتهم في الحال، فقال لهم قائد الجيش باقي سؤال لهذا العريفة المجنون، ويعني به النقيب حمود عبدالله الزبيري، فاقترب منه، وكان النقيب حمود يشرب تمباك بمداعته ويتناول أغصان القات، وقال له الشامي أطلب رأيك حول هذا الزامل.
فقال له النقيب حمود: "لا تكلم البحار وعاد طيزه حار"، وهذا مثل شعبي في بلاد الحجرية، وهو بذلك يقول لا أقول رأيي الآن، فأنا مرهق من عمل اليوم، ولكن أطلب منك أن أقول الرأي بعد أن أكمل (البوري) التمباك و(الكلوات) القات.
فجاءه القائد بعد حوالي ساعة ليعرف استشارته، فقال له النقيب حمود: قل المعابر لا يعني أن البدو أكملوا الذخيرة، فكل بدوي لديه عشر طلقات، وعدد البدو 300 بدوي مقاتل، وهذا يعني أن لديهم 3000 طلقة، وكل واحد منهم لديه الاستعداد أن يقتل بكل طلقة جنديًا، وإذا قمنا بالهجوم عليهم سنخسر كثيرًا من الجنود، وأنت تعرف أن البدو يحرصون على الرمي والتصويب الدقيق، وهذا يعني أن الخسائر في صفوفنا ستكون كثيرة.
فقال له الشامي: وما هي نصيحتك؟ فقال النقيب حمود: أنصحكم بأن يبقى الحصار لمدة خمسة أيام، وخلالها يقوم الجيش بمناوشات معهم هنا وهناك، وستنتهي الذخيرة ويأتون للتسليم.
وفي غروب اليوم الرابع جاء بن معيلي وقومه معلنين الاستسلام، وعرض على الجيش الإمامي شروط الاستسلام، فقال له قائد الجيش السيد الشامي: وما هي شروط الاستسلام تلك؟ فقال بن معيلي:
"لا إبلي تسخر
ولا رجالي تستأمر
ولا نسائي تخدم العسكر"
وتسخر تعني أخذ جمال قبيلة بن معيلي للعمل مع جيش الإمام دون مقابل، والسخرة كان نظامًا معمولًا به في العهد الإمامي، وتستأمر تعني العمل تحت إمرة الإمام.
وكان ابن الزبير رحمة الله عليه يشيد باللغة الواردة في هذه الشروط التي تضمنتها وثيقة إنهاء الحرب بين بن معيلي وجيش الإمام.
والنقيب حمود عبدالله نعمان معصار الزبيري كان ممن شاركوا في انقلاب 55 إلى جانب مشايخ الحجرية وصبر الذين ساندوا الثلايا في انقلابه لتنصيب السيف عبدالله إمامًا بدلًا عن أخيه الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين، وبسبب فشل ذلك الانقلاب أبعد النقيب حمود عبدالله الزبيري من مشيخة الشعوبة، واستبدله الإمام بالشيخ عبده هائل عبدالله نعمان الزبيري ابن أخ النقيب حمود عبدالله، وعرف الشيخ عبده هائل الزبيري بتعقله واتزان مواقفه، ولم يكن متقلب الأحوال كما كان عمه النقيب حمود عبدالله الزبيري الذي وصفه البعض بشجاعته وكرمه وكرهه لبيت حميد الدين، ولعل ابن الزبير الثائر اكتسب ثوريته من خاله السالف الذكر.
ومكث النقيب حمود بقية عمره متمردًا على بيت حميد الدين، وقام بعمليات تقطع لعسكر الإمام ليثبت للإمام عدم قدرة الشيخ الجديد على تثبيت الأمن في منطقته، وقام النقيب حمود بكتابة ورقة للإمام، وكان قد اتفق مع أحد المقلدين لتوقيع الإمام، وكان رده لوزير المالية عبدالعزيز عقلان مالية خذوا منه القلادة، ومن مخازن الإمام أخذ ألف قدح دون أن يوقع الإمام على ذلك الأمر.
والنقيب حمود عبدالله الزبيري عاش بعد عزل الإمام له من مشيخ الشعوبة متمردًا، وكان شاعرًا شعبيًا، ومن أشعاره التي يمتدح بها نفسه:
"أما ترى حمود يا مربوشو
مكندر كأنه شاووشو"
وآخر كلمة في البيت تنطق كما ينطقها سكان تهامة حيث يستبدلون الضمة بالواو.
وقد مات في السبعينيات، وقد ذكره ابن الزبير في قصائده:
"وما أغلقت عينك يا حمود
تركتها مفتوحة لترى الشواهد
ولتقل فيها كما شاءت تقول
لا أدعو إلى كفر
ولا أهدي إلى إيمان
هذا ليس شأني
شأني أن أذود الليل
عن أفق الحما"
وقد حكى ابن الزبير كثيرًا من الحكايات عن خاله حمود عبدالله الزبيري، وقد نتحدث عن بعضها في الحلقات القادمة إن شاء الله، وعن حكايات أخرى في حياة الشاعر الكبير محمد بن يحيى الزبيري رحمة الله عليه.



