الأحد 8 نوفمبر 2026

ديوان "الساعة 7 صباحاً"

ديوان "الساعة 7 صباحاً"
1. تَحَدٍّ

(مع التحية للشاعر ت. إس. الحسن)

أغرب في مكانٍ صدفةً،

أعود الشرقَ مرةً أخرى،

في نفس المكان؛

لا دورة الشمس ولا النجوم

تستطيع أن تنفيني،

أو تُبعدني عن مكاني.

صبيحة 18/3/1977

2. الرِّيح

من الجبال تهب الريح في الليل،

من مساكنها تبدأ رحلة الليل،

تجوب أنحاء البلاد، تجمع الآهات

والآنات،

تكتب فوق الماء قصة الأحزان

للعطشان يشربها،

ذوائبَ.

تمر الريح، تهز ذُؤابة الأغصان،

تظل تسير قاصدةً

مدينةً على السفح،

تهز ستائر الشباك والأبواب،

ترعش ذُبالة المصباح،

فتهز على الحائط

خيالاتٍ وأشباحاً،

تعيد حكايةً عبرت ولم تُنسَ.

• • •

هذي الرياح لست أجهلها،

أشم فيها أنفاسَ الأُولى عبروا،

أنفاسَ الأُولى ما زالوا على الحقل

وعبر السهوب الخضر،

يحنّون لشيء غامض مبهم،

ويبكون، يخافون من المعلوم والمجهول،

يبثون غناءهم المجروح مع إشراقة الشمس وعبر الضحى والظهر والمغرب،

فيصعد في الأجواء

ويُخزَّن في القمم العليا،

في مساكن الريح.

• • •

عند نزول الليل

تعيد الريح عزف اللحن،

تسير، تعبر الآكام والوديان،

تجمع هنالك عند السفح.

• • •

هذي الريح أعرفها، أحنّ لها،

في غربتي أكاد أسمعها،

وأُطلق من ههنا زفرتي،

لعل الريح تجمعها.

• • •

أحب الريح، أعبدها،

لأن الريح كل مساء،

كل الليل، تعيد حكاية المأساة،

تعذّب صانع المأساة،

تهز الباب والشباك،

تهز ذبالة المصباح،

تعزف في مداخن الدار

لحناً يصوّر الأنات والآهات،

وترقص في حنايا الدار أشباح الضحايا،

تعيدهم إلى المسرح،

وقد زالت عنهم سمات الخوف.

• • •

أحب الليل،

أظل مع الليل هنا في غربتي أُصغي

السمع،

أمدّه عبر الصحارى والبحار السبع،

وأسمع همهمات الريح،

وأعرف وحشة الليل،

تضج في أعماقها صرخات صانع

المأساة.

يخاف منظر الأشباح،

يخاف سماع اللحن تعزفه الريح،

يتمطّى حزيناً يائساً،

ثم يهبط

ليعلو قاسياً غاضباً،

ثم يدمدم هاتفاً يقول ما يُعيي لسان

الزارع المسكين.

تصرخ الأشباح، تهتف بالنصر

للمظلوم،

ثم يسكت اللحن،

وتتسلل الريح مع الصباح،

ليسقط صانع المأساة

في المنام.

تكساس 1959

(من دفتر الخمسينات)

3. أُغنياتي غداً!

كان شدوي في المراعي

لقطيعي

وزروعي،

بأغانٍ لم تزل في مسمعي منها بقية،

وبروحي وفمي منها بقايا كلمات،

من بعيد لم تزل تنساب في لحن شجيّ،

في دمائي؛

وعزائي

أنني حُرٌّ سأشدو

بأغانيَّ الجديدة.

• • •

كان شدوي في المراعي

لقطيعي

بأغانيَّ الحزينة،

كلماتٌ

لوّن النايُ مغانيها الشجية،

وعزائي

أنني حُرٌّ سأشدو

في المراعي

لقطيعي وزروعي

بأغانيَّ الجديدة،

كلماتٍ في ثناياها أمانيَّ الندية،

والمراعي

بافتتانٍ

تستعيد الأغنيات،

وظلال البن في وقت الظهيرة،

بحنانٍ

ستينيّ،

وحبيبي

سوف يلقاني على «الغيل»،

حبيبي!

وعلى الشمس ستمشي أغنياتي،

وعصافير الربيع

ستغني أغنياتي،

وأغانيَّ القديمة

سوف تبقى لي كذكرى

في دمائي.

أيلول (سبتمبر) 1955

4. الخَوَاء

الليل لم أزل أصافحه،

ألمّه،

أحمله في راحتي، أعصره،

أشربه، أطفئ به عطش النهار،

لكنني لم أزل عطشان.

والنهار،

لملمته وعصرته،

نصف كأس أو أقل،

ومزجته بعصير لون الليل،

وشربته،

لكي أطفئ عطش الدجى

والنور.

لكن ما جمعته وشربته

كان الغَبَش:

مزج الضياء مع الدجى،

شرب المزيج:

كان العطش.

• • •

ووقفت ألهث من طول المسير،

مقيساً بالزمن،

حسبته بمقياس المكان،

فوجدتني

حيثما كنت، وكان الأسلاف

قبلي، محاطاً بالخواء.

5. مدينة

عندما ارتعش القمر

أوقدت ناراً،

علّها تمنحه بعض الدفء.

• • •

في أمسيات كانون

تدور حكايات السُّمّار

حول نار واهنة،

وقودها نفايات المدينة

وأوراق الصحف اليومية.

والفضاء في أعماق بحر الرمل،

وسفن السُّمّار ماتت،

ومرتادو بحر الرمل

وقفوا على شطّه،

قدماً على طرف الموجة

وأخرى على باب المدينة

ذات الشوارع الحلزونية

الضيقة.

• • •

خلف غنيمات سود،

بدوية تسحب ذيل ثوبها،

تزيل به ملامح شخصيتها

المنطبعة على الرمل،

ومغزل يدور في يدها،

سيارةٌ تمرّ،

تفرّق القطيعَ والتأم،

والمغزل يدور،

والعيون السود ترقب القطيع

والشمس.

• • •

الخط الأسود الممتد في

الصحراء يطعن الأفق،

يتفرع منه خطوط تتداخل في

المدينة،

تجعل منها جزراً طينيةً، قلاعاً

بائسة.

التقدّم على شطوطها قشرة

رقيقة،

أبعادها ألف متر... عشرة

أمتار... بضع سنتيمترات.

البيوت الشبيهة بالقلاع،

اللون،

أسوارها أرض منتصبة

عقيمة لا تنبت،

أبوابها الضخمة الموصدة،

دائماً،

المصنوعة من خشب «الأثل»،

تنفرج فيها فتحة

تنزلق منها، خارجةً داخلةً،

عباءات سود.

لا نوافذ في الأسوار،

سمكها يختزن الأسرار،

تميت الصوت،

تمتص الصدى.

ترى أية أسرار

تحاول أسوار الطين إخفاءها؟

مع الغبار يسري الهمس،

والشفاه تتحرك،

بعضها متمتمة بتسبيحات.

• • •

حتى الغبار،

حتى الضوء الملوث بالغبار،

حتى غسق المساء

وغبش الصباح،

المآذن فقط تصرخ خمس مرات

في اليوم،

وحراس الفضيلة،

وأبواب المتاجر الحديدية

وهي تنزلق مرتين عند كل

صلاة،

منخفضةً أو مرتفعةً،

وربما الريح أحياناً،

وأبواق السيارات دائماً،

أربع مرات في اليوم.

تموت المدينة،

تموت قتيلةً،

وعقب كل موتة

تعود إلى الحياة مجهدةً،

تعاني جراحات تنزف إلى

الداخل.

مع اكتمال الظلام في الليل

تعلن أول منارة بداية العملية،

فتتجاوب المنارات من أقصى

المدينة إلى أقصاها،

ويختلط الصوت بالصدى

ويتداخلان،

ومع الظلمة والغبار

ينسجان الوحشة.

• • •

ليس هو الحزن ما تحس به

النفس،

ولا الرعب،

ولا الضياع فحسب،

إنما هو الشحوب،

وبعض من هذه الأشياء،

وفقدان القدرة على الأمل،

والعجز عن التمرد،

بل عن الاحتجاج.

أن تكون في كابوس وأنت مع

ذلك تسير،

وتفقد صوتك،

وتحس بلزوجة الهمس في

أذنيك،

والغبار والغسق في عينيك،

والأصوات السوداء تزجر

المدينة الطعينة

عند الصلاة الأخيرة.

وتتذكر بعض أحلامك القديمة،

والدروب التي مررت بها،

والأصدقاء... كنت تلتقي معهم

في مثل هذه الساعة في

أمسيات،

والحياة تزخر... كان يأسك

يذوي قليلاً،

فتصبح قادراً على أن تحلم،

وأن تتخيل غداً

يعود فيه الأمس إلى المدينة

الطعينة.

ذلك هو الموقف،

عندما تتجاوب المنارات تعلن

موت المدينة،

للمرة الرابعة كل يوم.

مثلما يتعرج المجرى الصغير،

يبحث عن أضعف النقط

ليشق له طريقاً،

تفعل الحياة،

تدور حول القواعد الصارمة

لتحقق ذاتها.

الهمس من قريب والإشارة من

بعيد،

في الشارع، تتبادلان تعبيراً

عن احتياجات الحياة.

صفقات تعقد بنفس التمتمات

التي تؤدّى فيها التسبيحات

أو الإشارات التعبدية،

صفقات هي خطايا بمعيار

الفضيلة التقليدية.

نجد 1961

6. ركن في قلب الشرق!

(1). ركن في قلب الشرق

ذوقٌ كقطعة من أقصى

الغرب،

حتى رواده من هناك، ومع ذلك وجدت فيه

نفسي،

لأنني أحسست

بقلقي يتوهج،

لأنني أحسست بغربتي،

وبهُما فقط أجد نفسي،

نفسي التي لم تستطع أن

تؤوب

من غربتها...

(2). أمنية

مع دقة الطبل والدف خفق

قلبي،

مجدداً أشواقاً قديمة

للرحيل البعيد المجهول،

أو العودة،

الأمنية المستحيلة.

(3). بإسناد رؤوسهم إلى

الحيطان،

ترك الناس علامات

تروي حكايات الوحشة

في البارات الضيقة.

(4). رويت لك قصصاً

خُيّل إليّ أنك أصغيت إليها

باهتمام،

ولكنها كانت قصصاً قديمة،

طالما سمعتني أرويها.

ولما أدركت ذلك

غرقت في بحر الصمت مرةً

أخرى،

غير مبالٍ بإلحاحك

على أن أكمل آخر حكاية.

(5). الصباح

آه، إنه يشرق قريباً،

ولكن

ما زال في كأسي بقية، وفي روحي إحساس بالليل يمنحان بعض العزاء إذا انتصف النهار.

بيروت، 6 شباط (فبراير) 1962

7. موقد الرماد

نعود إلى الصمت، نجتر حزناً، وأرقب في الظل كأسي وجاري العجوز... يصب في جوفه كأساً،

جمرةً... إثر جمرة، والرماد...

في جوفه ثاوٍ... ولن تقدر

الكأس

إيقاد نار.

أوستن، تكساس 1960

8. الشمعة آخر جهة...

كضياع الشموع،

الشمس،

الشمعة آخر جهة،

العصر،

بعد الشمس أطير.

الشارع ضوء مبلول،

الغرفة دفء هامس،

جسد عطشان.

الشمس الضباب،

امتزاج،

اشتياق العناق.

باريس 8/12/1980.

9. اسكتشات

أظل أحدق في الصورة المكررة، أبحث عن فكرة أو تناسق.

العنوان؟

فلم أجد إلا السذاجة.

سألت جاري: هل ترى معنى لهذه الألوان والصورة في جدار أحسن المعمار إبرازه

واختصر الزوايا، لكي يرى المرتاد للمكان

معرضاً للفن؟

في الجدار، ماذا ترى؟

السذاجة، اللون والتكرار،

ولا موضوع.

الشتاء: المخافة مما ليس يُدرك

(والكآبة).

والربيع: اشتياق إلى ما قد لا

يُعلم.

والصيف: انتظار، فرح أو توقع

إحباط.

والخريف: النهاية، حصاد أو

نزوح.

طوكيو 20/11/1980

الفصول الثلاثة

الشتاء بحث عن الدفء.

الربيع تفتح الزهر.

الصيف نضوج الثمر.

الخريف الحصاد، الولادة.

جماع الفصول.

طوكيو 20/11/1980

10. الساعة 7 صباحاً

الأم تدعوني.

طيور غرّدت بالصبح في يوم

ربيعٍ صحو؟

إلامَ! إلامَ تدعوني؟

كتاب أصم يرمقني على

المكتب،

وعلى حافة الشباك

تصمّ الأذن... ساعة تدعو.

الدرس! ألمحه يتلوى على

اللوحة،

خطٌّ منحنٍ أبيض...

يلخّص أزمة الإنتاج.

هذه الساعة: أيدٍ تمتد إلى المغسل،

ألوف ملايين... وأخرى تدير في

الفنجان ملعقةً،

وأخرى تمسح الأفواه،

وتلك تضم الكتب، أو تدير

مفتاحاً،

تهز مطرقةً... تنبش في الأوراق،

تعدّ السنت والمليم والدولار.

وهذا الطفل في يده علم أحمر، علم أحمر،

يلوّح للعربات والماشين،

قتل صغير الطير... غادر

المضجع،

هزّته فرحة اللعب...

بهزّة من يده...

يوقف طابوراً من السيارات،

أو يجعلها تسير...

وفي الجانب الآخر

عمر شرطي... يمارس نفس لعبة

الطفل،

ولكن غادر المضجع...

على رنات ساعة الحائط،

ومن فمه المزوّر ألف شتيمة

خرجت،

على من؟ إلى كل البشر... كل

الحياة!

ماذا مع الطيور؟

لمن تغني؟

ليس للإنسان!

أوستن - ربيع 1959

11. طوفان الصمت

تكثّف الصمت ثم سال،

تيار ضوء تراه،

تيار نهر؛ تلمسه، تستحم به،

تيار ظلمة تحسّه، تلمّ به

بملء العينين،

تعيشه،

تلمسه فيمن يلامسك،

هو ملء العينين،

ملء الكف،

ملء الفم،

تشربه،

تلامسه،

بغشاك إذ تغشاه،

يلاصقك،

يذوب فيك،

تذوب فيه،

الصمت والظلام صارا قهقهة.

ديسمبر 72 - (لم تتم)

12. الحب، الشوق هو العطش الدائم

عندي ما نشرب،

لكن ما عندي إلا كوب واحد.

فلنتشارك؟

فلنتشارك!

ولنشرب من نفس الكوب.

اشرب،

وأنا أرقب،

بعدك أشرب

من حيث وضعت الفم،

وشربنا،

لكنا لم نَرْوَ.

لا يروينا

أن نشرب من كوب واحد.

لا بأس، فلنشرب من كوب

واحد.

لكننا لن نروى

إلا من مصّ الريق.

فلنجمع بين الاثنين.

فلنتشارك

في كوب واحد،

ولنتراشف،

لكننا لن نروى.

الحب، الشوق هو العطش الدائم.

صبيحة 26/7/1975

13. الظن واليقين

كان مسافراً،

ضاع في الظلام،

وبان فجأة.

صادفته:

متى كان الإياب؟

- لم أبرح الموقع قط،

ما زلت هنا!

عجبت: ضاع،

بل تبدّل.

في كلا الحالين لم يعد

نفس من عرفته،

عاد مثالاً جدّ مختلف،

يعني بأشياء أُخَر،

يفعل أشياء أُخَر،

نقيضه لكل ما كان ظنّه

الصواب.

صنعاء 17/3/1981

14. خِمار

ظننت خماراً شفافاً

غطّى الوجه،

لكن ما إن حدّقت العينان

حتى زال اللبس.

نور كالسحر من العينين

ومن البسمة

ينسج حول الوجه خماراً،

لكن لا يخفي،

بل يكشف عن أجمل ما فيه.

شفافاً كان،

شغاف القلب

أسمكُ منه،

ويظل السحر يشعّ،

يتخلل، يسري، يشق شغاف

القلب،

يصل عمق القلب،

شعور غامض،

شوق يتجدد

في اليقظة والحلم.

صنعاء 17/1/1982

15. صورتها ووجه القمر

أمس كان على وجه القمر

بعض غبار، وكانت

في مآقيه بقايا دموع،

وكان بادي الإجهاد،

وكان حزيناً،

وكنت حزيناً.

بنام على قلبي غبار اليوم،

ورحت لأغسله بنور البدر،

ولكن لأن عاصفاً كان قد هبّ

وذرّ عليه بعض غبار،

لم أقدر،

وعدت حزيناً،

أحدّق في الصورة،

ومن عينيك سال شعاع،

وعلى شفتيك بسمة رفّت،

فزال غبار اليوم عن قلبي،

ورثيت للقمر المسكين.

نجد – صيف 1961

16. إلى عاشقة القمر

أجمل الأقمار

ما أورق في جزيرة العرب،

وأروع الأقمار في جزيرة

العرب

قمر يطل في نيسان فوق نجد،

وأجمل الوجوه يا صاحبتي

وجهك حين تبسمين للقمر.

فكيف لو رأيت قمراً

مكتملاً في سماء ليل نجد

في نيسان؟

نجد - نيسان (أبريل) 1961

17. ملء نفسي

أسافر دونك،

أين حللت وسرت،

ألف طيفك،

ألف وجودك،

معي،

جنبي، أمامي، ملء نفسي.

- بل أنت تبقين معي أينما رحلت، يظل حضورك رغم

الغياب

يملأ البيت والمركبة.

صنعاء، خريف 1973

18. النخلة... والحبيبة

في ملتقى النيلين

نخلة شابة،

الريح تلعب في أسعافها،

وهي تميل.

ذكّرتني

يوم رأيتك تجرين

عاريةً:

الشعر خصل،

والماء يقطر منه،

والجسم عليه رذاذ.

هيلتون الخرطوم - نوفمبر 1976

19. النخلة والريح

أمس من ناحية الشمال

هبّت عاصفة،

حمراء كانت كاللهب،

محرقة كالنار.

وقال صاحبي:

هذي الرياح من قديم

ترسلها السماء رحمةً

من أجل إنضاج الثمار،

لون البلح من لونها.

وعند صخور التلال

وملتقى الرمال بالعمران،

تحت عيناي

عملاقين أجردين

ينتصبان في احتجاج بائس

مرير.

ما كان ذات نخلتي رطب.

نجد، أيار (يونيو) 1961

20. الفصول

يسير دليل الطير في يوم،

يعود وفي منقاره بشرى،

جناحاه مخضوبان،

غناؤها ولون الجناحين

تباشير الفصول:

لكل فصل لون،

لكل فصل لحن،

لكل فصل ألحان وألوان،

لكل فصل ألوان وألحان.

21. شبّابة شباط

استيقظت على عزف

من شبّابة راعٍ،

النغمة مختلفة عن التي استيقظت عليها أمس.

فتحت الشباك:

الجبل مشتمل بالسحاب،

وعلى الراعي شملة:

إنه شباط.

5/12/1975

22. نجمة صبر

تلمع نجمة ونجمة عند الذرى،

تختلط النجوم والشموع،

تلامس المنازل السماء

فوق ذراك يا صبر.

عند المساء

أراك تحمل النجوم،

تحمل السماء.

• • •

تلمع نجمة عند الذرى،

فأذكر ابتسامة الحبيب،

والحنان

يسيل من عينيه،

والفرح المورق في جوانحي.

23. همس النسيم

قالت لي الأنسام:

لِمَ الحزن، وأنت في الجبل

وأنا هنا معك

على الجبل؟

13/1/1976

24. أول كانون

استيقظت على زعزع،

نظرت إلى التقويم،

كان الرابع عشر من يناير،

أول كانون.

تعز 17/12/1975

25. مأربية

عِطاشاً للضوء،

عِطاشاً جئناك،

فوجدنا الومض

والضوء حبيس،

ووجدناك

عطشى، عطشى للماء

والضوء.

• • •

الومض يلمع في المآثر الحزينة،

شمس الظهيرة تشهد بالنقيض،

ضوؤها يشهد بالظلام.

• • •

السائرون تحت ضوء الشمس،

كم داسوا الضياء،

لم يعرفوا أنهم بعون ضوء

الشمس

كم أطفأوا

مصادر للضوء.

صبيحة 5/5/1974

26. العنكبوت والدُّجْنة

فليغزل العنكبوت في الدُّجْنة

في الزوايا خيوطاً، ولينسج

الأكفان،

فالشمس في الشارع

ترمي شباك النور،

تؤجّج النار في الأحطاب،

وتدفع السائر في الرمضاء

إلى الفكرة:

أن يغرس الظل، أن يجد المأوى،

أن يجمع نور الشمس في

مشكاة،

أن يفتح الشباك،

أن يكنس العنكبوت والأكفان.

نجد - 2 شباط (فبراير) 1962

27. عالم الموتى!

في عالم الموتى نعيش... حيث

يعتكر الظلام،

حيث الخفافيش الدميمة تحتكر

الحياة،

والأمهات... وحولهن أطفال

صغار،

يبدون للأطفال في لحن حزين

أحداث ما قبل الظلام،

والحارثون،

والثور والمجرات والكلب الصبور

يرغمون الأغنيات،

الله والأرض الموات:

«آن الأوان لتلبس الثوب

الخضير»،

ويبذرون الحب في الحقل

الجديب،

ويرددون

حلم القرون:

«نلقي البذور وتنبت الأقدار يا

أرض الجدود،

ونية الحكام إن صلحت –

ولا خِصب الزمان».

ويعكفون،

يترقبون السحب في كبد

السماء،

ويرددون صلاتهم كي

تستجيب.

ومتى استوى الزرع النضير،

فالحارثون

لا يحصدون

إلا ليشبع آخرون،

ويصبحون يرددون

في عيد الحصاد:

لا يزرعون،

ويأكلون:

«لك... الخراب...

يا أرض الجدود».

تشرين 2 (نوفمبر) 1952

28. من بعد عام

(إلى 28... بيت الظلام)

من بعد عام

درنا وعدنا للظلام،

نرتاد آفاقاً يلفها السراب،

أحلامنا جفلى تطاردها الظلال،

وإلى الأمام،

سنظل نجري في الظلام،

نمشي وتدفعنا - رغم الإباء -

أيدٍ ثقال.

وإذا بنا من بعد عام

حيث ابتدأنا... من جديد،

نتذكر الماضي ونغرق في

السراب،

أحلامنا، أحلامنا... جفلى،

يغلفها الضباب،

ونروح نلقي بالسؤال على

الظلام

والظل والأيدي الثقال:

«إلى متى نبقى ندور؟»

فإذا السؤال صدى، يُردَّد من

بعيد،

ولا جواب

سوى قوى الأيدي الثقال

تزيحنا نحو الأمام،

لنعود نغرق في الظلام.

15 أبريل 1952

29. الوهم!

الوهم عاد،

وعاد يرقص بانتشاء

على الدماء،

سليل آلهة العذاب

وأبو الظلام.

• • •

الوهم عاد مع الدماء،

مع الرؤوس الطائرات إلى

التراب،

وسليل آلهة العذاب

مرحاً يغني والدماء

تسيل.

• • •

الوهم عاد،

يشلّ في الناس النزوع إلى

الحياة،

ومن الربي... ومن الهضاب

ومن ذرى «صبر» العريق

تسيل ريح،

وعلى جناحيها نواح:

«تعز» أنشأها رسول،

وكان يعمرها السلام.

تعز ترقص في الدماء،

«تعز» تسجد للظلام،

وسليل آلهة العذاب

مرحاً يغني والدماء

تطفو على...

• • •

الوهم عاد،

يشد شعبي للوراء،

وجموع شعبي الثائرة

عادت تصلي للظلام،

ومن الربي

ومن الهضاب

تسيل ريح كالنواح،

أرض المآسي والدماء.

أنت يا وطن الأباة،

«تعز» أنشأها رسول،

وكان يعمرها السلام،

تعز ترقص في الدماء،

والناس تسجد للظلام.

نيسان (أبريل) 1955

30. انعتاق

(إلى النفوس الطيبة التي حطمت القيد،

وإلى النفوس التي يغلّها القيد... علّها تحطمه)

لا تراعي،

إن تكن ذكرى، من الأعماق

ردّتك إلى ماضي القيود،

فانبذيها، ثم سيري في دروب

ذات شوك وورود،

ثم عُبّي حرةً من منبع

فيه وحي للخيال المبدع،

وادفني في الأضلع

فكرة الماضي المضاع،

واصفعيه،

إنه تمثال رِقٍّ،

ثم سيري باندفاع.

لا تراعي،

لا تراعي!

28 فبراير 1952

31. دماء ورمال

دم يفور،

ودم يسيل،

يروي الرمال

ويكون نهراً،

نهراً غزيراً

من الدماء،

يروي الأمل.

• • •

وهنا النعال،

آثار أقدام ثقال،

فلنمْحُها

بدمائهم

ودمائنا،

دم يفور

بعروقنا،

ودم يسيل،

يروي الرمال،

يروي الأمل.

• • •

أحفاد أزمان طوال،

فلتتقد

بصدورنا،

ولتنطلق،

تروي الرجال،

ويسيل دم

يروي الرمال،

يروي الأمل.

ديسمبر 1951

32. الظلال الهاربات

أمل يذوب...

أمل يذوب

على الدروب،

مع المسير على الرمال،

نحو الظلال الهاربات.

• • •

روح تؤوب

مع الغروب،

في ذلك الأفق الكئيب،

والظل يطوى من الكثيب،

ثم يغمرها كلال

من المسير على الرمال،

بعد الظلال الهاربات.

• • •

وتعود تبحث من جديد،

فترى هناك، على مدى الأفق

البعيد،

أملاً يذوب

على الدروب،

بعد المسير على الرمال،

خلف الظلال الهاربات.

27 أغسطس 1951

33. من سور أيامي

من سور أيامي

ونار آلامي

فجّرت أنغامي

في مزهري الظامي

للفن والحب.

• • •

أشدو لآمالي،

آمال أقوامي،

في الموطن الغالي،

في لونها الدامي،

جفلى بأعوال

في سامق سامي

أو غائر الجبّ.

• • •

من حطّم الأكواب؟

فأراق منها الشراب؟

وفرّق الأحباب؟

غير هوى الأرباب،

معبودة الشعب.

كانون الأول (ديسمبر) 1952

34. عراء موحش!

ماذا غير العراء

سوى الذكريات الجداب،

سوى الوحشة القاسية،

سوى أمانٍ جياع؟

غدي كأمسي يباب،

ويومي عراء،

والقوة النامية

في مهدها في صراع

مع القبور الرتاب،

والقيم البالية

من غابرات القرون.

فماذا غير السكون،

غير اختناق الرغاب،

غير ارتعاش الفكر،

غير تلاشي النداء

في صمت هذي اللحود؟

نيسان (أبريل) 1953

35. رسالة ودموع

رسالة الرفيق،

صوتك الحزين،

صوتك العميق،

رتّلها،

نبراته تحمل أثقال السنين،

آلام شعبي الصامتات،

دموعك الحَرّى، شغاف قلبك

الشفيف،

دموعك الحَرّى تسيل،

تبكي لنا، لشعبك المهين،

أثقال آلاف السنين.

تدحرجت منا الدموع،

فنحن لا نبكي

لأن آلاف السنين

ذلّها

يسلبنا حتى الدموع.

• • •

صوتك الحزين،

صوتك العميق،

عبر آلاف السنين،

عبر الدموع،

تطل روح الشعب أنفاساً حراراً

لتلمس الأعماق،

وتطلق القوى السجينة الكبار،

فتبصر العيون،

وترهف الأسماع،

ويعرف الطريق مُدلِج المسير.

• • •

رسالة الرفيق

أبكتك...

وكنت لم يطفُ بخاطري

أنك قد بكيت في صراعك

المرير،

وما أخال أن بكيت،

والقيد والأغلال شدّت قدميك،

والسجن مطبق الظلام،

والموت من ظُبى السيوف

يسيل كل يوم،

ويطير رأس كل يوم.

لكن رسالة الرفيق

أبكتك...

لأنها تروي كفاحنا عبر القرون،

وترسم الطريق

إلى الغد السعيد،

ترسم الطريق

غير الجماجم والدماء على

الصليب،

نفس الطريق

مرت بها الأجيال في السفر

الطويل.

• • •

تلك الجماجم والدماء على

الصليب

سارت معالم في الطريق،

سنسير في نفس الطريق،

الشوق يحدونا وأرواح الجدود،

وتطل روح الشعب من خلف

القرون

لتمسح الغبار،

وتشعل الضياء،

ويعرف الطريق مُدلِج المسير.

• • •

رسالة الرفيق

أبكتك يا صديق،

لأنها تقص في سطور

قصة الكفاح والمصير،

وترسم الطريق

إلى الغد السعيد

لشعبنا المجيد.

أكتوبر 1956

---------------

---------