السبت 7 نوفمبر 2026

قصة قصيرة

الكذاب الاجتماعي..!

كدأبها سائر ليالي شهر رمضان المبارك، كانت القرية شبه ساهرة، يلف الصمت دورها الواجمة في ثنايا السواد الحالكة، سيما وأن الكهرباء أمست مجازة عن الخدمة حيث تتبدد ملامح الأيام في عتمتها الحالكة، وتتشابه الساعات وتتداخل حدود الأحلام بالواقع في رتابة مميتة تثقل كاهل الأرواح المعلقة بين رجاء واه وفراغ قاتل.

فجأة يدلف إلى القرية طارق أيقظها من هدوئها و أحال دورها الهدوء إلى جلبة وفوضى دبت في أحشائها.

أخذ الطارق يدور بين البيوت والدور وينادي:

_ يا أهل القرية، الضمان الاجتماعي وصل..!

_ يا أهل القرية، الضمان الاجتماعي وصل..!

يقفز عبد القوي غالب إلى جامع القرية منادياً عبر مكبر الأذان اليدوي، الذي يستعاض به عندما تكون الكهرباء منطفئة، وأخذ بعد التعوذ بالله من الشيطان الرجيم والبسملة يكرر على أهل القرية:

_ الأهالي الكرام يجب التوجه إلى بيت العاقل [1] بقرية الجمنون ولا تنسوا تأخذوا معكم بطائقكم الشخصية أو العائلية أو الانتخابية..!

توقف صوت الميكروفون برهة ثم عاد مستدركاً:

_ المطلوب حضورهم إلى بيت الشيخ محمد مصلح هم فقط الذين سجلت أسماؤهم بكشوفات الضمان في آخر زيارة للجنة الكذاب الاجتماعي، هههه عفواً أقصد لجنة الضمان الاجتماعي..!

عندما كنت أصيغ السمع لدوي الصوت المفاجئ عبر الميكروفون إندهشت في البداية مستنكراً عند سماعي لأول مرة هاتين الكلمتين (الكذاب الاجتماعي) ..وتساءلت..؟

كيف كذاب اجتماعي..؟!

لكن سرعان ما أزالت الحَاجَّة زهرة استنكاري من السقف المجاور لمنزلنا، وهي تهتف:

_ أخيراً وصل الكذاب الاجتماعي..!

هنا فقط أدركت أن قريتنا تمتاز بالظرافة وإطلاق الفكاهات الساخرة أمام السلوكيات السلبية والمواقف التي تأنفها سجاياها الطبيعية الصادقة والبريئة.

غلبني الفضول فغادرت متكأ القات إلى سقيفة الدار، وأخذت أراقب اللحظة التي طرأت داخل القرية كأنها وميض في ليل سرمدي.

ثمة عجوز..؟

ثلاث مرات وهم يكذبون علينا، في المرة الأولى قبل عامين جاءت لجنة وصوّرونا وملأوا استمارات، وقالوا لنا في المرة القادمة سوف تستلمون البطائق مع الفلوس.

بعد سبعة شهور عادوا مرة وثانية، وسووا معنا نفس العمل، وقالوا نفس الخبر الأول.

وكذلك غلق [2] السنة عادوا كرة ثالثة .. وكرروا علينا الخبر نفسه.

وهكذا في كل مرة ما يجيئنا إلا كذاب اجتماعي جديد..!

صاحت امرأة ثالثة:

_ يا عمة هذه المرة يقولوا، نعم من صدق في فلوس..!

•••

تقاطرت مصابيح الضوء اليدوية تنبجس من أبواب البيوت إلى أزقة القرية، وتنسكب داخل الطريق العام في سيمفونية صامتة من الشقاء.

رحتُ من سقف الدار أراقب المشهد البديع والمرير في آن واحد.

كانت عيون المصابيح جماعات جماعات وفرادى فرادى تطعن سواد الليل بأضواء بعضها بازغة بقوة، وبعضها خافتة عليلة، تسرق الطريق حاثة الخطى مسرعة وبطيئة في رحلة بحث أزلية عن وميض أمل مخادع يكوي أطراف الحقيقة.

لم تكن قريتنا وحدها التي قامت قيامتها الدنيوية ليلاً فخرجت تبحث عن الكذاب الاجتماعي الذي حط رحله في دار عاقل القرية، بل قرى أخرى مجاورة كانت هي الأخرى ساهرة، وتتقاطر داخل دروبها المصابيح مسرعة إلى بيت العاقل حتى أني على نحو لا إرادي وجدت نفسي ألحقهم إلى حيث حطت اللجنة رحالها في بيت شيخ العزلة [3].

أكثر من ست قرى اصطفت إناثها ومثلها الذكور في بضع صفوف غير مستقيمة أمام بيت العاقل كأنها طوابير منتظرة على عتبات القدر.

لم يكن الداخل إلى المجلس لمقابلة اللجنة قادراً على مد قدميه حتى شبراً واحداً بسهولة ويسر من شدة الإزدحام الذي لم يكن مكتضاً بدافع الشجن والفضول للتعرف على أعضاء لجنة الكذاب الاجتماعي بقدر ما كان بدافع التأكد من رؤية الجونية [4] أو الكرتونة أو حقيبة الفلوس.

كان التيار الكهربائي ما يزال فاقداً وعيه وسط غياهب الظلام الأبدي.

•••

وبينما مجلس العاقل وداره يعج بمن نودي عليهم الحضور وحدهم، وحين أخذت أزاحم إلى جانب المتزاحمين من أجل الوصول إلى اللجنة لإبداء اقتراح يخفف من الازدحام، ويسرع بعمل اللجنة تناهت همهمات وأصوات خافتة إلى سمعي:

_ قليلين أدب .. بلا تربية..!

_ من .. منهم..؟!

_ هل عرفتيه..؟!

_ صه .. لو كنت عرفته لأعطيته ملء كفي على وجهه..!

ومن مكان آخر تصيح أخرى:

_ على أبوك سبعة وسبعين لعنة يا وسخ..!

على إثر صياح إحدى النسوة داخل المجلس ارتفعت مجموعة أصوات رجالية:

_ عيب عليك يا بنت، خزيتي [5] بنا اتضح أنه صوت العاقل..!

_ العيب على الذي يِدَّحَكْكْ فوق النساء يا عاقل ..!

كان الاقتراح أن تُجمع البطائق ويخرج الجميع إلى خارج المجلس، وكل من يسمع اسمه يدخل.

نال الاقتراح التذمر والاستحسان في آن واحد.

جاء اقتراح آخر:

_ الأفضل تعودوا الصباح، فالوقت الآن سحور..!

•••

قرابة المائتين أو أكثر من البطائق تركت عند اللجنة في ثقة عمياء.

وعندما عاد الجميع الصباح تفاجئوا بالعاقل وهو يخاطبهم ببرود قاتل:

_ اللجنة البارحة انزعجت منكم، وغادرت إلى المدينة، ولن تعود إلا بعد العيد كما أخبروني..!

_ طيب والبطائق حقنا يا عاقل..؟!

_ البطائق معهم..!

_ وكيف سمحت لهم يأخذوهن [7] يا عاقل..؟!

_ قالت لي: من شان [8] يخرجوا بطائق صرف لكم..!

_ ومتى شيرجعوهن [9] يا عاقل..؟!

_ عندما يرجعوا..!

_ وإذا ما رجعوش [10] يا عاقل..؟!

_ سهل، استخرجوا بطائق جديدة..!

_ وهل تخرج البطاقة بسهولة كما تعرف يا عاقل..؟!

_ والله يا جماعة هذا ما حصل..!

لم يعقب العاقل ودخل داره، تاركاً خلفه أرواحاً معلقة في خيوط الوهم والانتظار الطويل على مفترق خيبة الأمل.

•••

تلك اللجنة التي غادرت بعد السحور تلك الليلة لم تعد ثانية، وإنما جاءت لجنة ثانية أخرى، واختارت مدرسة الجمنون مقراً لها لاستقبال الذين اعتمدت أسماؤهم بكشوفات الضمان الاجتماعي، وطالبت بالبطائق، وإلا فلن تصرف فلساً لأي أحد لا يمتلك بحوزته بطاقة إثبات جديدة غير منتهية، وأكدت أنها أيضاً لن تعتمد البطائق الانتخابية لإثبات هوية الذين منحوا مبلغ الضمان الاجتماعي.

الذين تأكدوا أنهم سوف يستلمون هذه المرة أسرعوا بالذهب إلى مصلحة الأحوال الشخصية لاستخراج بطائق شخصية جديدة.

بيد أنهم عندما عادوا حاملين البطائق الجديدة، كانت اللجنة قد غادرت إلى المدينة، ولم تسلم سوى بضعة أشخاص، وهم الذين كانوا قد استخرجوا بطائق بدل فاقد عقب أخذ لجنة رمضان بطائقهم معها.

وحين كان البعض منهم يهم بملاحقة اللجنة إلى المدينة يحذرهم عاقل القرية ألا يقوموا بذلك فقد لا يجدونها بسهولة، وأنه يجب عليهم الانتظار حتى تعود اللجنة أو تأتي غيرها.

وحدها تقوى أبت الانتظار حملت نفسها وقصدت مدينة تعز، ونزلت ضيفة ببيت صديقتها حياة العفريت مدة أسبوع كامل، ولم ترجع إلى القرية إلا وقد استلمت الكذاب الاجتماعي.

وما أكثر تفاصيل الحكاية التي ظلت تقوى ترددها عن المدينة، وعن صديقتها وعن ملاحقة اللجنة، وفي كل مرة تعيد الحكي عن قصة استلامها مبلغ الضمان تضيف للحكاية تفاصيل لم تكن قد ذكرتها عندما حكتها قبلاً في تجسيد حي لعبقرية السرد الشعبي.

بيد أن أكثر ما يبعث على الدهشة الممزوجة بالسخرية المريرة هي ذلك الموقف المبكي والمضحك في آن واحد عندما استلمت مبلغ الربع الأول من العام فتصف تلك اللحظة وهي تقلب تحديقها في اللاشيء وناحيتنا الذين كنا نصغي إليها بعيون متأملة:

_ عندما استلمت المبلغ، سألت نفسي هل سيكفي هذا المبلغ لسداد زكاة بيت المال للأعوام الثلاثة المنفرطة، وزكاة الفطر، وسداد ديون متراكمة لدكان عبده المقرش، ناهيك عن ما استلفته من الحِجَّة عائشة من أجل استخراج البطاقة الجديدة، ومصاريف السفر إلى المدينة والإقامة فيها أسبوعاً كاملاً حتى استطعت مقابلة رئيس مكتب الشؤون الاجتماعية..؟!

يسألها عاقل القرية بفضول مباغت:

_ كيف سمحوا لك تقابليه..؟!

_ جلست أمام باب مبنى الإدارة، وطلبت من البواب يؤشر لي عندما يوصل المدير، ولما وصل صرخت يا مدير ارحمني من الكذاب الاجتماعي..!

_ ايش قلت، كذاب اجتماعي..؟!

_ ايوا [11] بجاه الله والنبي ارحمنا من حقكم الكذاب الاجتماعي الذي أتعبنا، ضحك ضحكة كبيرة سمعها كل الذي في الحوش، وأخذني معه إلى مكتبه وحكيت له كل القصة، وبعد ذلك فتح جهازاً كان قدامه، ومباشرة نادى لموظف وأمره بصوت يهد ويرعد، قال له ما تخرج الخالة تقوى من الإدارة إلا وقد استلمت حقها الضمان..!

تجر نهدة وهي تضحك والدمعة تتجلجل داخل عينيها لم تستطع كبحها عن التدفق في مشهد يختزل مأساة جيل كامل:

_ استلمت المبلغ، ووقعت على الكشف، وقلت لنفسي هيا يا تقوى قبل ما تخرجي إجزعي [12] اشكري المدير على تعاونه وادعي الله أن يبارك بأمثاله..!

_ أيوا تقوى، والله إنك مش سهل..؟!

تقاطع عاقل القرية مستفسراً:

_ لحظة يا عاقل باكمل [13] لك آخر شيء..!

_ كملي..؟!

_ قبل ما أدخل مكتب المدير لقيته قد كان خارج وأخذت أدعو الله أن يبارك بأمثاله ووووو ونزلنا الدرج معاً وهو ماسك بيدي يسير ويضحك حتى وصلنا إلى سيارته، وكان يسألني عن الكذاب الاجتماعي، من أين جئت بهذا الاسم، فجوبته بسؤال..؟

_ يا مدير .. هل الكذاب الاجتماعي حق بلاد الكفار مثل حقنا الضمان الاجتماعي في بلاد المسلمين ..؟!

انفجر ضاحكاً ضحكة كبيرة سمعها أيضاً كل من هم حولنا، وبنفس الوقت أخرج من جيبه رزمة وحطها بين أصابعي، وقبض عليها كأنه لا يريد أحداً أن يراه، وأجاب:

_ لو كنا في بلاد الكفار يا خالة تقوى لما كنت قد جئت بنفسك تلاحقي الكذاب، ولكنت والبقية قد استلمتم منذ وقت طويل طويل، كل ما عليك أن تدعي الله أن يوفقنا إلى ما فيه الخير، ونقدر نحارب الكذابين الذي عندنا..!

•••

بعد أن توفقت تقوى بالغرض الذي بسببه دخلت إلى مدينة تعز لم تمكث سوى يومين ثم أقفلت راجعة إلى قريتها بمشجب الصلو، وهي رافعة الرأس مزهوة بنصر صغير يعادل الدهر، ومرت على سوق دمنة خدير وأزاحت من داخلها غلبة الديون التي لطالما حرمتها من لذة النوم، وأوقدت في عيونها السهر وجمرات الأرق ليال وليال.

وصلت إلى القرية قبل الغروب وكانت حوزتها عامرة ببعض الملابس والأحذية، والهدايا التي جلبتها من تعز لابنتيها، وفواكه، وشوكولاتة أبو بقرة أخذت منذ لحظة ترجلها السيارة تفرقها على كل طفل قابلها في زقاق القرية بقلب يفيض حناناً.

تهافت الكثير من أهل القرية يستقبلونها بالترحيب والسلام، وأما الذين هم مثلها فليس سوى سؤال واحد يكررونه عليها:

_ إذا ذهبنا مثلك إلى تعز فهل سيسلمون لنا الضمان..؟!

فتجيبهم بحكمة العارفين:

_ أنتم وحظكم، إذا لقيتم نفس المدير إن شاء الله سوف تستلموا، أدعوا الله أنه ما يغيرونه..!

•••

بعد المساء حيث اعتادت العمة تقوى أن تسمر قطعاً من الليل فوق سقيفة دارها وهي تمضغ شجرة الخيال الخضراء، وتشرب التتن باوزير [14] ثم تزفر بالدخان الذي يلوح متصاعداً على هيئة حلقات إذا ما كان القنديل مضيئاً في سكون الليل البهيم.

من أحد الأسقف المجاورة يأتيها سؤال شقي:

_ تقوى وتقوى، ما علمتيش [15] متى شتأتي [16] لجنة الكذاب الاجتماعي..؟!

دوى صوت تقوى ضاحكاً، ودوت من فوق بعض الأسقف قهقهات للحظات، لم يقطعها سوى صوت الأستاذ عبد القادر:

_ لا تركنيش [17] التي سألتك بشيء يا عمة تقوى..!

_ ما فهمت قصدك يا أستاذ..؟!

_ انتظري نشرة التاسعة بالراديو وستعرفي..!

دون استهلال أو مقدمات يتدخل أنعم من فوق سقيفته بالحوار محملاً بمرارة اليقين:

_ والله يا عمة تقوى أن الكذاب الاجتماعي سوف يتأخر كثيراً كثيراً هذه المرة، وإذا وصل فسوف يكذب على هؤلاء المساكين كالعادة مثلما اعتادت الأيام أن تخلف وعودها المزيفة مع البسطاء..!

_ لا، لا، إذا بقي هذا المدير إن شاء الله سوف يستلم الجميع قريباً..!

_ متى قريباً أقول لك، اليوم نزلت حزمة قرارات جديدة، ومن بينها تم نقل مدير عام الشؤون الاجتماعية من تعز إلى ديوان الوزارة..؟!

ثم يناديها:

_ هل سمعتني يا عمة تقوى..؟!

العمة تقوى لم ترد.

من جديد:

_ عمة تقوى، وعمة تقوى..!

العمة تقوى لا ترد وسط صمت مطبق يبتلع صدى الحكاية.

(انتهى)

الهوامش:

* نشرت القصة بصحيفة المستقلة عام 2007، وأعيد نشرها منقحة، وضعف ما كانت عليه عدد كلماتها.

1 - العاقل: تعبير محلي يطلق على شيخ القرية أو المسؤول الإداري فيها.

2 - غلق: بمعنى قرب انتهاء أو نهاية الوقت.

3 - العزلة: تقسيم إداري شعبي يضم مجموعة قرى.

4 - الجونية: كيس بلاستيكي أو خيشي كبير.

5 - خزيتي بنا: عامية تعني جلبت لنا الخزي أو تسببت به.

6 - يُدَحْكَكْ: تعبير شعبي محلي يشير إلى التحرش أو الملامسة غير اللائقين.

7 - يأخذوهن: صياغة محلية لإسناد الضمائر).

8 - من شان: بمعنى من أجل أو كي.

9 - شيرجعوهن: عامية تقابلها بالفصحى سوف يُرجعوها.

10 - ما رجعوش: أداة نفي محلية بمعنى لم يعودوا.

11 - ايوا: نعم.

12 - إجزعي: فعل أمر عامي بمعنى اعبري أو مري.

13 - باكمل: سأكملُ بالعامية.

14 - التتن باوزير: أجود أنواع التبغ اليمني.

15 - علمتيش: هل علمتِ..؟

16 - شتأتي: ستأتي.

17 - لا تركنيش: لا تنتظري وأنت واثقة.