وطنٌ يتشظَّى
قصيدةٌ كتبتها في شهر مارس 2021م. وما زال الحالُ هو الحال، بل غدا أشدُّ قسوة، لا سيما في مدينة تعز المحاصرة، التي لم تتعاف منذ بدءِ الحرب حتى الآن.
يا صحارى
يا شوامخْ
يا صخورْ
شرِبَتْ ذرَّاتُك العطْشى وعبَّتْ من دمانا
شبِعتْ من لحمنا القطعانُ
عافتنا النُّسورْ
شبِعتْ ثم ارتوتْ
غير أنَّا ما شبِعنا
ما ارتوينا
ما اكتفينا
أُزهقت أرواحُنا بيدينا
قُطِّعت أوصالُنا بيدينا
أوغلَ الأعداءُ قتلاً في نسانا وبنينا
ما فهمنا
ما وعينا
أنَّنا حين ابتُلينا بجنونِ الحكمِ جاوزنا الجنونا
وتباعدنا صفوفاً واصطفافا
وتبادلنا دعاوى
عمَّقت فينا شروخاً وانقساماً وخلافا
واقتتلنا
لم يزدنا القتلُ فيما بيننا إلَّا انحرافاً وانكشافا
وتركنا خصمَنا يعبثُ فينا
بأسُنا ارتدَّ علينا
نحسبُ القتلَ فخارا
ونرى في السِّلم في دعوتِه، إن أُطلقتْ، جبناً وعارا
** ** **
بعضُنا يعشقُ الحربَ
إذا لم يحترقْ في نارها
يرقبُ المأساةَ لكنْ من بعيدِ
من بلادٍ لا يرى فيها دماءً وخراباً ويتامى
وإذا ما شاهدتْ عيناهُ يوماً صوراً من مآسينا
تراهُ يتعامى
هذه الحربُ اختبرنا شرَّها عاماً فعاما
وتجرَّعنا بلاها
واحترقنا بلظاها
وحُشِرنا كلُّنا في لوحةٍ لم تكتملْ
أبدعتها كفُّ (آريسَ) و (مارسْ)
لوَّنتها بدمانا
طرَّزتها ريشةُ الموتِ نعوشاً وقبورا
وبقايا طفلةٍ مكشوفةٍ
وكلاباً ونسورا
رقصةُ الموتِ على أشلائنا نارٌ وقصفُ
وعروسٌ فوقَ نعشٍ نحو مثواها تُزفُّ
جثثٌ منثورةٌ في كلِّ ساحٍ
وظلامٌ مدلهمٌّ
وسماءٌ لا نرى فيها سماءً
بل دخاناً ورصاصاً وشُواظاً وسعيرا
فليمتِّع ناظريهِ
من يرى في الحربِ حلَّا
وليشنِّف أُذُنيهِ
من يرى في السِّلمِ إذعاناً وذلَّا
** ** **
هل يرى العاقلُ في حربٍ تميتُ الإخوةَ الأعداءَ مجداً وافتخارْ؟!!
هل يرى فيها انتصاراً لأخٍ
أو إنكسارْ؟!!
هل يرى إلّا جحيماً وخراباً ودمارْ؟!!
ليس فيها غير قتلٍ
غير يتمٍ
غير ثكلٍ
غير تشريدٍ وجوعٍ
ليس فيها غير مأساةٍ تُدارْ
** ** **
هل تُرى يأتي زمانٌ يُستعادُ العقلُ فيهِ
يفهمُ النَّاسُ بأنَّا كلُّنا شعبٌ عريقْ
إخوةٌ نحنُ جميعاً يفخرُ التَّاريخُ فينا
ليس بالأنسابِ نرقى
بل بتقوانا،
كما قال نبيْنا
أمرُنا شورى
ومن ذا أبدعَ الشُّورى سوانا؟
سبأٌ من خطَّ للحكمِ الجماعيِّ نهجاً قبلَ آلاف السنينْ
لم يكن يقطعُ أمراً دون رأيِ النَّاسِ حتَّى يشهدونْ
فمتى نستحضرُ الماضي دروساً
لا حروباً نُبتلى فيها وقتلا
ونرى ما تفعلُ الحربُ بشعبٍ
كان للحكمةِ والإيمانِ أهلا؟
إنِّها الحربُ إذا ما أُوقِدتْ
أوقَدتْ في النَّفسِ أحقاداً وغِلَّا
وبدا من ينشدُ السِّلمَ جباناً
أحمقاً أو جاهلاً يزدادُ جهلا
يستحقُّ الذَّمَّ والتَّشويهَ والتَّجريحَ
يغدو هدفاً لدعاةِ الحربِ
ميسوراً وسهلا
** ** **
موطني أضحى جحيماً
وبأيدينا تشظَّى
هذه الحربُ يراها بعضُنا مالاً ونهبا
ويراها البعضُ نهجاً لاحتكارِ الحكمِ
ميراثاً وكسبا
خاسرٌ من يحسبُ الحربَ سبيلاً للغنى
أو لاحتكارِ الحكمِ دربا
حسبُنا حربٌ
كفى ما قد لقينا
إغلقوا الحربَ
افتحوا بابَ السَّلامْ
حكِّموا الشَّعبَ
يرى ما يرتأيهِ
يحسمُ الأمرَ
يولِّي مِن بنيهِ
من يراهُ النَّاسُ كْفْئاً
نهجُه نهجاً سويَّا
طاهرَ الثَّوبِ نزيهاً
صادقَ الوعدِ وفيَّا
** ** **
ليت شعري
كم من الوقتِ سيمضي
كم عهودٍ سوف نطوي
قبل أن ننهضَ من تحتِ الرمادْ
قبل أن يبسمَ طفلٌ
قبل أن تفرحَ أمٌّ
قبل أن ينزاحَ غِلٌّ
قبل أن يلتمَّ شملٌ
قبل أن نعرفَ أمناً وسلاما
قبل أن نتساوى، نتآخى، نتصافى
قبل أن نُشفى من المسِّ ونصحو
قبل أن نتعافى



