الخميس 5 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • سهير السمان.. امرأة تعبر إلى فضاءات الثقافة والإبداع

سهير السمان.. امرأة تعبر إلى فضاءات الثقافة والإبداع

سهير السمان.. امرأة تعبر إلى فضاءات الثقافة والإبداع

للمرأة اليمنية حضور مهم ومؤثر في الحياة الاجتماعية والثقافية والإدارية، وهو حضور لم يكن وليد اللحظة، بل امتد عبر مراحل تاريخية مختلفة، منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وحتى الألفية الجديدة. وقد عرفنا أسماء نسائية يمنية استطاعت أن تترك بصماتها في مجالات التعليم والإدارة والدبلوماسية والعمل الأكاديمي والثقافي، وحققت إنجازات مهمة، وحصلت على جوائز وتكريمات، وتولت مواقع ومسؤوليات عكست صورة إيجابية عن المرأة اليمنية وقدرتها على المشاركة وصناعة التأثير.

غير أن الحديث عن المرأة اليمنية اليوم يكتسب أبعادا إضافية، خصوصا في ظل التحولات العاصفة التي شهدها اليمن منذ عام 2011، وما أعقبها من تراجع في مؤسسات الدولة، واضطرابات سياسية واقتصادية، وتدهور في الظروف المعيشية، فضلا عن موجات النزوح والاغتراب التي دفعت كثيرا من الكفاءات اليمنية إلى البحث عن مساحات أخرى لمواصلة حياتها وإنتاجها.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة الكاتبة والناقدة اليمنية سهير السمان، بوصفها نموذجًا لامرأة استطاعت أن تحافظ على حضورها الفكري والثقافي، وأن تنقل تجربتها من محيطها المحلي إلى فضاءات عربية أوسع، دون أن تنفصل عن قضايا وطنها أو تتخلى عن انشغالاتها بالإنسان اليمني وتحولاته الاجتماعية والثقافية.

سهير السمان ليست مجرد كاتبة تكتب عن وطن بعيد، بل صاحبة تجربة تجمع بين الكتابة الإبداعية والاشتغال النقدي والعمل الثقافي والإداري. فهي حاصلة على ليسانس الآداب في اللغة العربية من جامعة صنعاء، كما حصلت على درجة الماجستير في النقد الأدبي من معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة، بتقدير ممتاز، مع التوصية بطباعة بحثها الذي تناول الرواية اليمنية في مطلع الألفية الجديدة وتقنياتها السردية ورؤيتها للعالم.

ولم تكن تجربتها الأكاديمية بعيدة عن العمل الثقافي والمؤسسي، فقد تولت إدارة النشر في الهيئة العامة للكتاب بصنعاء، كما اضطلعت بمسؤولية رئاسة دائرة المرأة في نقابة الهيئة العامة للكتاب، وهي عضو في اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ونادي القصة في صنعاء. وهذه المحطات تكشف عن مسار مهني وثقافي لم يقتصر على الكتابة الفردية، وإنما امتد إلى المشاركة في المؤسسات التي تعنى بصناعة الكتاب والحياة الأدبية.

وعند التوقف أمام مؤلفاتها، نجد أن تجربتها القصصية بدأت بمجموعات من بينها (موعد آخر) و«جزء من النص مفقود»، ثم جاءت مجموعتها (يحدها من الشمال) الصادرة عن دار ميريت بالقاهرة، عام 2021، والتي ضمت ثماني عشرة قصة قصيرة.

مجموعة قصصية
مجموعة قصصية

وفي هذه المجموعة تقترب السمان من عوالم إنسانية تتداخل فيها مشاعر الرحيل والاغتراب والموت والوحشة، وتضع شخصياتها أمام أسئلة تتجاوز حدود التجربة الفردية إلى ما يعتمل داخل المجتمعات من تحولات وانكسارات. وقد تناول الناقد المصري أيمن تعيلب المجموعة في تقديمه، مشيرا إلى خصوصية صوتها السردي وما يحمله من حس إنساني يتصل بالحرب والاغتراب والموت.

كما قدمت تجربتها الشعرية في ديوان «ما يشبه الحزن»، وهو عنوان يحمل دلالة وجدانية تتقاطع مع كثير من الموضوعات التي تشغل كتاباتها، حيث تبدو العلاقة بين الذات والعالم، وبين الذاكرة والمكان، وبين الإنسان ومصيره، من المساحات التي تستحق التأمل في تجربتها الأدبية.

أما في مجال النقد، فقد قدمت كتابها (الرواية اليمنية في الألفية الثالثة التقنيات السردية ورؤية العالم)، الصادر عن دار النابغة المصرية. وتكمن أهمية هذا العمل في محاولته قراءة التحولات التي شهدتها الرواية اليمنية الحديثة، ليس من زاوية الموضوعات والحكايات وحدها، وإنما من خلال البناء الفني والتقنيات السردية وأساليب تشكيل الشخصيات والزمن والرؤية.

رواية
رواية

وقد تناولت في دراستها أعمالا روائية يمنية، واشتغلت على مفاهيم نقدية تتصل بالراوي والإيقاع الزمني والاسترجاع وتعدد مستويات السرد، مستفيدة من مناهج نقدية عربية ومترجمة. وهذا الجانب يكشف عن اهتمام يتجاوز الكتابة الانطباعية إلى محاولة فهم البنية الفنية للرواية اليمنية وتحولاتها.

وفي عام 2024 دخلت السمان تجربة الرواية من خلال عملها (جنازة واحدة لموت كثير)، الصادر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة. وهو عمل يشتبك مع تاريخ اليمن الحديث وتحولاته السياسية والاجتماعية، من أحداث يناير 1986 في عدن، مرورا بتحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 وحرب صيف 1994، وصولا إلى الانقسامات والحرب واجتياح الحوثيين لصنعاء.

رواية عن الدار المصرية اللبنانية
رواية عن الدار المصرية اللبنانية

وتعتمد الرواية على مسار زمني يمتد عبر سنوات طويلة، وتستخدم الاسترجاع والتداعي الحر وتعدد وجهات النظر، لتجعل من الحكاية الشخصية نافذة على تاريخ بلد بأكمله. ولعل عنوان الرواية نفسه يحمل دلالة تتجاوز الموت بوصفه واقعة فردية، ليصبح استعارة عن وطن تتراكم فيه الخسارات، وتتعدد فيه الجنازات، بينما تتراجع فرص الحياة والاستقرار.

ولم يقتصر حضور سهير السمان على الكتب والإصدارات، فقد امتدت كتاباتها وقراءاتها النقدية إلى عدد من المنابر الثقافية والصحفية العربية. ومن بينها مجلة الفيصل السعودية، التي نشرت لها قراءات نقدية، فضلا عن حضور اسمها في صحيفة الشرق الأوسط، وصحف ومواقع ثقافية يمنية وعربية، من بينها الدستور المصرية، ويمن مونيتور، وصحيفة 14 أكتوبر، وغيرها من المنابر التي تناولت أعمالها وتجربتها أو نشرت مساهماتها.

كما شاركت في مناقشات ولقاءات وفعاليات ثقافية وأدبية، وأسهمت في تقديم قراءات نقدية لأعمال أدبية يمنية، من بينها مناقشتها لرواية «رواية غير مشروعة» للكاتب جمال الشعري في القاهرة. وهو حضور يكشف عن علاقة تتجاوز حدود المؤلف والقارئ إلى المشاركة في الحوار الثقافي وتبادل الرؤى حول الكتابة اليمنية وأسئلتها.

أما وجودها في مصر، فهو محطة مهمة في مسار تجربتها. فالقاهرة ليست مجرد مدينة للإقامة بالنسبة إلى كثير من المثقفين العرب، وإنما فضاء واسع للتفاعل مع المؤسسات الثقافية ودور النشر والجامعات والملتقيات الأدبية. وقد استطاعت السمان أن تستثمر هذا الفضاء في مواصلة نشاطها، وأن تحافظ على صلتها بالمشهد الثقافي اليمني والعربي، من خلال المشاركات والندوات واللقاءات، فضلا عن علاقاتها بالمؤسسات والفعاليات الثقافية في القاهرة والإسكندرية وطنطا.

وقد تحدثت في لقاء صحفي عن نشاطها خلال عام 2024، مشيرة إلى مشاركاتها الثقافية في هذه المدن، وتنظيم بعض الندوات في المركز الثقافي اليمني بالقاهرة، وحضور مهرجانات فنية، إلى جانب تطلعها إلى مواصلة الكتابة والعمل على مشروعات قصصية وروائية ونقدية جديدة.

إن ما يستحق التوقف عنده في تجربة سهير السمان هو هذا التعدد في مسارات العمل الثقافي؛ فهي تكتب القصة، وتشتغل على الرواية، وتقرأ النصوص قراءة نقدية، وتشارك في الحياة الثقافية، ولديها تجربة في إدارة النشر والعمل المؤسسي. وهذه المسارات مجتمعة تمنح تجربتها أبعادا مختلفة، وتجعلها حاضرة في أكثر من مساحة من مساحات الفعل الثقافي.

وليس من الإنصاف أن ننظر إلى تجربة المرأة اليمنية المبدعة من خلال عدد الكتب التي أصدرتها أو اللقاءات التي ظهرت فيها فقط، بل ينبغي النظر أيضا إلى الظروف التي أنتجت فيها أعمالها، وإلى قدرتها على الاستمرار في ظل واقع لم يعد يوفر للمثقف اليمني الحد الأدنى من الاستقرار والفرص والإمكانات.

إن الاغتراب، في مثل هذه التجارب، لا يعني بالضرورة الانفصال عن الوطن، بل قد يتحول إلى وسيلة جديدة لرؤيته والتأمل فيه. وربما لهذا السبب ظلت اليمن حاضرة في عوالم سهير السمان، سواء من خلال التاريخ أو الجغرافيا أو التحولات الاجتماعية أو مصائر الأفراد. فهي لا تتعامل مع الوطن باعتباره حدودا على الخريطة، وإنما باعتباره ذاكرة وعلاقات وتجارب إنسانية لا يمكن تجاوزها بسهولة.

وبعيدا عن المبالغة في تقديم التجارب الأدبية، فإن من حق هذه الأسماء اليمنية أن تحظى بالاهتمام والتعريف والقراءة النقدية الجادة، وأن تجد مساحتها في الصحافة والمؤسسات الثقافية، لا بوصفها نماذج للنجاح الشخصي فحسب، وإنما باعتبارها جزءا من الذاكرة الثقافية اليمنية المعاصرة.

إن سهير السمان واحدة من النساء اليمنيات اللواتي يواصلن العمل في المجال الثقافي خارج حدود الوطن، ويحملن معهن أسئلة اليمن وذاكرته وهموم إنسانه. وقد استطاعت من خلال الكتابة والبحث والمشاركة الثقافية أن تقدم صورة عن المرأة اليمنية التي لا تتوقف عند حدود الظروف، ولا تجعل من الصعوبات نهاية للطموح.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن الأوطان لا تمثلها السياسة وحدها، ولا تختصرها الحروب والانقسامات، فهناك من يمثلها بالكلمة والكتاب والفكر والإبداع. وهناك نساء ورجال يحملون صورة بلادهم إلى العالم، حتى حين تضيق بهم جغرافيتها.

وسهير السمان واحدة من هذه الأصوات التي تستحق أن نقرأ تجربتها، وأن نمنحها المساحة التي تليق بما تبذله من جهد في سبيل الكتابة والثقافة، وأن نرى في حضورها خارج اليمن امتدادا لحضور الثقافة اليمنية نفسها.

* ملاحظة

استند هذا المقال في مادته التوثيقية والتعريفية إلى عدد من المصادر الصحفية والثقافية التي تناولت تجربة الكاتبة ..