الخميس 5 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • تعز في حصارها الثاني.. اختبار لاستعادة الدولة

تعز في حصارها الثاني.. اختبار لاستعادة الدولة

في الرابعة من فجر 18 أكتوبر، دوّى انفجار عند منعطفات طريق هيجة العبد في التربة. فجّر الحوثيون جزءًا من الطريق، وهو، كما وصفته هيومن رايتس ووتش، آخر طريق تجاري لإمداد تعز. بهذا الانفجار دخلت المدينة حصارها الثاني منذ 2015، وفيها أكثر من مليون إنسان. وبرنامج الأغذية العالمي يعلن أنه لا يستطيع الوصول إلى أكثر من 600 ألف منهم، وأن مخزونات دقيق القمح في المناطق المتضررة توشك أن تنفد.

طريق هيجة العبد
طريق هيجة العبد

لا لبس في المسؤولية هنا. الحوثيون هم من فرضوا الحصار على تعز منذ 2015، وقطعوا طرقها، واستخدموا إغلاق منافذها وسيلة للضغط على سكانها. وهذه مسؤولية لا ينبغي تمييعها أو توزيعها على غيرهم. لكن من حق أبناء تعز أن يسألوا سؤالًا آخر: كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف سقطت الحجرية كلها في أيام، وانقطع آخر طريق إلى المدينة، والقوى المناهضة للحوثيين تملك ألوية وتشكيلات عسكرية وتحالفًا يسندها؟

أطفال تعز وهم يتجمعون لتعبئة مياه الشرب
أطفال تعز وهم يتجمعون لتعبئة مياه الشرب

الوقائع التي نُشرت في الأسابيع الأخيرة تقدم جزءًا من الجواب. فبحسب تقارير صحفية، تمكن الحوثيون من السيطرة على الحجرية بعد انسحاب ألوية محور طور الباحة. ونقلت وسائل إعلام عن مصدر أمني أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تراجعت بعد نفاد الذخيرة وغياب الأسلحة القادرة على صد الهجوم. وفي الساحل الغربي، وجّه طارق صالح قواته بإعادة ترتيب صفوفها وتشكيل مركز قيادة بديل بعد خسائر بشرية. بل إن مسؤولًا حكوميًا أقرّ بأن غرفة القيادة والسيطرة التي توجّه القوات المتحالفة تعاني من «عدم نضج».

تكدس النفايات في تعز
تكدس النفايات في تعز

ما جرى في الحجرية أكبر من هزيمة جبهة؛ إنه صورة لطريقة إدارة الحرب كلها: ألوية تنسحب دون أن يعرف الناس من أمرها بالانسحاب ولماذا، وجنود ينفد عتادهم ولا يصلهم الإمداد، وقوات متحالفة لا تجمعها غرفة قيادة واحدة. وتعدد التشكيلات العسكرية قد يكون مصدر قوة لو عملت بقرار واحد. أما حين تعمل كل جبهة وحدها، بأولوياتها وحساباتها، فإن سقوط واحدة منها لا يجد من يمنعه.

وجذر المشكلة سياسي قبل أن يكون عسكريًا. فمجلس القيادة الرئاسي يضم قوى تختلف في رؤيتها لمستقبل الدولة وشكلها، وفي موقفها من القضية الجنوبية، وفي حساباتها لما بعد الحرب. والمرجعيات التي يُفترض أن تجمعها، من مخرجات الحوار الوطني إلى إعلان نقل السلطة، لم تتحول إلى قواعد عملية تحسم الخلاف. فظلت الشراكة في كثير من الأحيان أقرب إلى صيغة لتقاسم النفوذ منها إلى مشروع وطني لإدارة الدولة ومواجهة الانقلاب. وحين يحسب كل طرف ما يكسبه هو من المعركة قبل أن يحسب ما تخسره تعز، تصبح المدينة ساحة لحسابات الآخرين.

طوابير  انتظار لتعبئة انبوبة الغاز
طوابير انتظار لتعبئة انبوبة الغاز

فما المطلوب؟ أمران لا يحتملان الانتظار. الأول قيادة واحدة لجبهات تعز والساحل الغربي ولحج، بقائد معروف الاسم والصلاحيات، يُسأل أمام الناس عن النجاح والفشل. والثاني تحقيق معلن في انهيار جبهات الحجرية: من انسحب، ولماذا، ومن قصّر في الإمداد. فمحاسبة المقصرين ليست تشهيرًا بأحد، وإنما هي الطريق الوحيد لكي لا يتكرر ما حدث. وإلى جانب ذلك، يحتاج سكان المدينة إلى ممر آمن للغذاء والدواء، يتقدم على أي حسابات أخرى.

وأدرك أن هذا الكلام قد يبدو قاسيًا في وقت تحتاج فيه تعز إلى كل يد تدافع عنها. لكن الصمت عن الأخطاء هو ما أوصلنا إلى هنا.

لن يقيس أهل تعز هذه المعركة بالبيانات العسكرية، ولا بعدد المواقع المستعادة. سيقيسونها بشيء أبسط: هل وصل الدقيق إلى البيوت؟ هل يستطيع المريض أن يصل إلى المستشفى؟ هل انفتح الطريق؟ وحين ينفتح، سيعرفون أن الدولة التي يتحدث عنها الجميع بدأت تعود فعلًا.