الثلاثاء 3 نوفمبر 2026

العشرة المبشرون بغضب الله(الحلقة السادسة)

تجار الظلام من صنعاء إلى عدن (2-2)

من أين تشتري حكومتا صنعاء وعدن الكهرباء؟ ولماذا ندفع الثمن غاليًا؟

في صنعاء، بحسب عقود التوزيع المنشورة رسميًا على موقع وزارة الكهرباء والطاقة وتقارير المؤسسة لعامي 2022 و2023م، كانت الوزارة لا تملك توليدًا، بل تشتري من شركات وسيطة ورد ذكرها في تلك التقارير؛ مثل شركة تجدد للطاقة وشركة العالمية للكهرباء، وهي شركات بلا محطات تشتري من أصحاب المولدات وتبيع بهامش ربح. وعرضت عليها شركة نمارق للطاقة محطة عائمة توفر الكهرباء بسعر 66 ريالًا للكيلو شاملًا الوقود، بينما هي تبيعه بأكثر من 240 ريالًا، ولم ترد عليها، وموقف وزارة الكهرباء في صنعاء بإنهاء تلك العقود برأيي خطوة شجاعة وصحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تكفي إذا لم يتبعها إصلاح محطات التوليد ووقف عقوبة الفصل المزدوج.

أما في عدن فتشتري الحكومة الكهرباء بنظام الطاقة المشتراة بحسب وثائق مجلس النواب، وتقارير لجنة الكهرباء البرلمانية، وبحسب تلك التقارير فإن خمس شركات سيطرت على الملف، يقال: إن أغلبها محسوبة على نافذين، وهذا الملف أكبر من أن يتحمله وزير بذاته، فهو نتاج تراكم حكومات متعاقبة منذ عام 2015. وبحسب تقديرات أولية وردت في تقرير اللجنة، وتصريحات منسوبة لوزراء سابقين، فإن تقديرات الإنفاق من 2015 إلى 2025 تجاوزت أكثر من 8 مليارات دولار، ومع هذا لا تزال عدن تغرق في الظلام.

وفي عهد حكومة معين عبدالملك تناول الناس أخبارًا مفادها أن المحطة العائمة التي كانت ستكلف أكثر من 130 مليون دولار، لم تصل رغم أن صاحبها استلم 7 ملايين دولار، واعتمادات حوالي 40 مليونًا، وقد قام البنك المركزي بإيقافها بحسب ما تداولته مصادر إعلامية، فضاعت السبعة ملايين الدولار، وبقيت عدن في الظلام.

وفي عهد حكومة أحمد عوض بن مبارك، خرج رئيس الحكومة هذا شخصيًا في مايو 2024 ليقر بلسانه بأن 31 في المائة من إيرادات الدولة تلتهمها الكهرباء، تريليون و10 مليارات ريال أنفقت في عام واحد، 755 مليارًا منها ثمن ديزل ومازوت، و575 مليون دولار أخرى غرامة لأن الباخرة تأخرت في البحر.

لاحظوا هذه ليست ميزانية كهرباء، هذه ميزانية حرب قارية.

إنفاق فلكي في الهواء وعدن تغرق في الظلام، وحكومة تنفق باسم الكهرباء كما لو أنها دولة نفطية وخدمتها كما لو أنها تقدم لقرية نائية منسية.

والمشكلة ليست في عدن وحدها؛ ففي مأرب غاز بلا كهرباء، محطة غازية بقدرة 400 ميجا تكلفتها صفر ديزل، وأبناؤها يشتكون الانقطاع. وفي حضرموت وشبوة نفط بلا نور؛ فهناك محافظات تنام فوق بحيرة نفط، وتنتج النفط الذي يتحول إلى ديزل يباع لعدن بالدولار بفاتورة 755 مليارًا، وأهلها يطاردون أربع ساعات كهرباء. وفي تعز، وأبين، ولحج لا نفط ولا غاز، ولا كهرباء، فصارت سوقًا لتجار المولدات يدفع المواطن أمواله مرتين؛ مرة فاتورة للدولة بلا كهرباء، ومرة فاتورة للكهرباء التجارية.

ثم إن الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح: إذا كان رئيس حكومة عدن أفصح عن العبث بالأرقام الفلكية، ولم نسمع من محمد مفتاح ولا ممن سبقه من رؤساء حكومة صنعاء أي تصريح، فلا يعني أن كهرباء صنعاء منزهة عن العبث، والفارق أن كهرباء عدن تعبث بأموال خزينة الدولة في حين كهرباء صنعاء لا تتحمل الدولة أية نفقات للكهرباء، إنما المواطن هو من يتحملها، ولذا فكهرباء صنعاء تعبث وتنهب جيب المواطن، والمواطن لا يعرف عن مصير أمواله المنهوبة من الكهرباء شيئًا.

كهرباء عدن تنهب الخزينة العامة باسم الديزل المدعوم. وكهرباء صنعاء تنهب جيب المواطن باسم التسعيرة التجارية.

في عدن الفاتورة تظهر في ميزانية الدولة ويراها رئيس الوزراء. وفي صنعاء الفاتورة لا تظهر في ميزانية الدولة؛ ليس لعدم وجود ميزانية دولة فحسب؛ بل لأنها مدفوعة مقدمًا من جيب المواطن في كل حارة؛ لذلك لم نسمع عنها رقمًا فلكيًا، رغم أن الفلكية موجودة مضاعفة في مجموع ما دفعه المواطنون في صنعاء، وعمران، وذمار، وإب.

وهنا بيت القصيد الذي نعيشه اليوم في نوفمبر 2026:

الكهرباء التي أعنيها هي الكهرباء الخاصة التجارية في كل حارة، التي اضطر إليها الناس بعد أن فصلت كهرباء الدولة عدادها. هذه الكهرباء الخاصة ضاعفت تسعيرتها هذا الشهر، من كان يدفع خمسة عشر ألفًا أصبح يدفع ثلاثين ألفًا، وضاعفت معها فواتير المياه، لأن الماء يضخ بنفس الكهرباء التجارية. كله رفع التسعيرة.

وحجتهم جاهزة: غلاء البترول والديزل.

والحقيقة أن شركة النفط تبيع الديزل لصاحب المولد الذي ينير حارة كاملة بنفس السعر الذي تبيع به للمواطن صاحب السيارة، كأنه يشتري دبة واحدة. تتعامل معه كمواطن، بلا دعم ولا سعر ثابت ولا كشوفات. فإذا رفعت شركة النفط سعر الدبة في السوق التي تديرها هي، رفع صاحب المولد سعر الكيلو فورًا من 240 إلى 400 ريال.

بسبب عبث كهرباء الدولة هرب الناس إلى الطاقة الشمسية، فلحقتموهم إلى الشمس، وفرضتم على ألواحها وبطارياتها جمارك، حتى أصبح لوح الطاقة أغلى من راتب موظف شهرين كان يستلمها دون انقطاع في زمن الفاسد عفاش رحمه الله.

حتى الشمس التي أعطاها الله لخلقه مجانًا، تريدون أن تؤجروها من عباد الله.

تبًا لكم.

في كل دول العالم الدولة هي التي تولد الكهرباء للمواطن، في اليمن وحده المواطن هو الذي يولد الكهرباء للدولة.

والخلاصة: لا يوجد في اليمن شركة كهرباء تقدم للشعب خدمة محترمة؛ بل يوجد تجار ظلام بلباس رسمي.

في الشمال وفي الجنوب القصة واحدة؛ فالمواطن هو من يولد الكهرباء، والدولة هي من أفرغت جيبه، وحجبت نوره؛ فشركة النفط أفرغت جيبه بفارق التسعيرة، وشركة الكهرباء حجبت نوره بقرار الفصل المزدوج.

وبقي في نفسي وجع لا بد أن يقال: إلى متى سيظل المواطن في صنعاء صامدًا في وجه العدوان، وصامتًا في وجه عدم مبالاة السلطة بأوجاعه، وهو الذي يمدها بفلذات أكباده في كل معاركها؟ يدفع فاتورة الحرب من دمه، وفاتورة الظلام من جيبه، ويسدد الجبايات من عظامه ودون أن تصرف رواتب أبنائه!

يا حكوماتنا في ربوع الوطن كله:

مروا الكهرباء أن تفك الارتباط المقدس بين الفاتورتين، افصلوا عدادكم إن شئتم، لكن دعوا عداد التاجر وشأنه؛ فالنور ليس عقوبة جماعية يؤدب بها المواطن.

سعروا الديزل المخصص للكهرباء كتسعير الدواء.

بيعوه بسعر ثابت لأصحاب المولدات بكشوفات واضحة، لا تتركوه نهبًا للسوق السوداء التي تديرونها أنتم.

الغوا نظام السمسار الوسيط. أعيدوا التوليد للمؤسسة العامة، فبثمن ديزل سنة واحدة لو رغبتم وكنتم جادين لبنيتم محطة تدوم خمسًا وعشرين سنة.

حرروا الشمس، واعفوا ألواحها من الجمارك، فمن العيب أن تكون صنعاء وعدن من أكثر مدن العالم شمسًا وأكثر مدن العالم ظلامًا.

تنبيه:

لست مهندس كهرباء، ولا تاجر مولد، ولا صلة لي بملف الكهرباء؛ لا من قريب، ولا من بعيد، وإنما أنا مواطن يعاني كسائر المواطنين من مشكلة الكهرباء، وارتفاع تسعيرتها، ويقرأ ما تنشره حكومة المنفى وما تنشره سلطة الأمر الواقع في صنعاء. والأرقام الواردة في مقالي هذا ليست من عندي، بل هي على عهدة بيانات شركة النفط ووزارتي الكهرباء وتقارير مجلس النواب المشار إليها في المقال، فإن كان فيها خطأ فنطالب جميعًا بنشر العقود والفواتير للعلن، فمن حق المواطن الذي يرغم على أن يدفع ثمن الظلام مرتين، أن يعرف أين ذهب النور.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.