الأربعاء 4 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • أبجدية التحدي ورفض الانطفاء أمام الفواجع..!

أبجدية التحدي ورفض الانطفاء أمام الفواجع..!

سنوات خلت على أحرف سكنت عرش الذاكرة دهرًا، مترفةً بندى اليقين على خد وردةٍ لم تعرف بعدُ مخالب الخريف.
لكن الطوفان العاتي أتى.

فتشظى بعضها، وتحطم الباقي ممزقًا على صخور العبث، وحملتها رياح عبث الأيام الكالحات إلى منافي التيه السحيق.

ومنذ ذلك الحين، هجر القلم، وركب سفينة الصمت الأبدي التي أبحرت مع الرياح في سديم الغياب.

لكن الروح الأوابّة لم تيأس من البحث عن سر الوصل، ومن استجلاء طريقٍ يرد الحرف الشريد إلى نصابه الأول.

جاهد... شد وثاق العقدة بدموع الوجد حول أشلاء الحروف المتشظية، رمم شروخها بأناة أنقى الحواريين المتناهيين بترف الزهد، أعاد صياغتها، واستفرغ وسعه حتى تأكد أنها استعادت نبضها العضوي ونقاء سلامتها.

ومن رماد التشتت، خلق كلمات تشبه روحه التائهة.

ومن متونها الغامضة، استخرج أبجدية العزلة المفقودة.

وأخيرًا، تنفس الصعداء.

صار قادرًا على النطق، على سكب الرؤى والكلمات.

لكن، واأسفاه... ويا لمرارة الصدمة الكونية..!

•••

حين أمسك بالقلم، وحين همّ بالتدوين على أديم الواقع المزري، اكتشف الحقيقة العارية التي تتوارى خلف حجاب الوهم.

لم يكن ما تشظى وتفتت متمزقًا هو الحروف.

بل كانت ذاكرته هي التي تحطمت، وتهشمت جذورها إلى غير رجعة.

ذاكرته... التي اغتيلت على قارعة الوجع الوجودي، من هول رجل ذبح بيمينه فلذات كبده، لا لشيء إلا لأنه لم يجد في حشايا الليل البهيم رغيفًا يقدمه لهم ولأمهم الثكلى.

نعم... من شبح الجوع المرعب، وهو يمد مخالبه القذرة كي يفتك بأطهار الطفولة وبراءة الأيام.

آه من واقع صار فيه الخبز إلهًا دمويًا، يخشى معه أن يجد الطريق مسدودًا... أمام لقمة خبيئة تستحوذ عليها قلوب أخبث، قلوب تعجز عن انتزاع لقمة العيش من بين مخالبها، وقبل أن تصير تحت أنيابها ممزقة، فيلجأ مكرهًا -يا للعار ويا للفجيعة- إلى أية وسيلة يتخلص بها من أولاده... خشية التقتير، أو خوفًا من الإملاق والضياع..!

حين يبلغ الركام هذا المدى من السحق الميتافيزيقي، وتتحول الذاكرة إلى هشيم تتكاثف فوقه عواصف المآسي، تبدو النجاة خرافةً عابرة.

لكن الروح في جوهرها النقي والعميق لا تعرف الفناء المطلق.

فحيث يشتد الظلام ويطبق العماء، تبدأ جذوة النجاة بالتشكل الباطني من رحم التناقض نفسه.

•••

أين تقف ملامح النجاة المتبقية للروح وسط هذا الخراب الوجودي..؟

إنها لا تتكئ على سراب أملٍ زائف، بل تتجلى أولًا في صمت العارفين.

حيث يتحول الارتداد نحو الداخل إلى لغة بديلة تحتضن الفاجعة في الهيكل المقدس للقلب.

وتتجلى ثانيًا في الشهادة الباقية.

إذ إن الوقوف على رميم الذاكرة الممزقة -برغم قسوته الجارحة- هو الشكل الأخير للمقاومة، ورفض النسيان وحراسة قصة الضحية حتى في زمن القتلة.

وتتجسد ثالثًا في التجرد المطلق والتوحد مع العدم.

حين ينفصل الإنسان عن علائق الأرض الفانية باحثًا عن إيقاع أزلـيّ أعمق لا تطاله آلة المحو والتدمير.

وأخيرًا في وجع التضامن الإنساني الشامل.

ألا يموتوا وحدنا في العراء، وأن يظل النزيف المشترك يربطهم بفاجعة الغريب كجرحٍ شخصيٍّ لا يندمل.

•••

لكن السؤال الأبدي الذي يظل يطرق أبواب الوعي بوجعٍ لا ينتهي.. أيمكن للكلمة أن ترمم ما أفسده الجوع..؟

الجواب القاسي -الذي تستوطن مرارته الأعماق- هو أن الكلمة لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تعيد ابنًا ذبحه الإملاق، ولا تستطيع ترميم حياة مزرية في واقع فوضوي.

الكلمة عجفاء وعاجزة تمامًا أمام رغيف خبز غائب.

فحين يتقاطع الموت مع لقمة العيش، تنحني هامات الكتب، وتتهاوى قصائد الخلود كأوراق خريف ميتة.

الخبز يسبق المعنى، والجسد يسبق الروح، والجوع قطار هادر لا يلتفت إلى ما يُخط على جنبات سكة الموت.

لكن... إذا كانت الكلمة عاجزة عن تغيير سياق الواقع، فإنها تظل البريق الأخير المتبقي لترميم الإنسان كيلا يهوي في درك المسخ الكامل.

الكلمة وسط هذا المخاض العبثي ليست أداة نجاة مادية، بل هي شهادة وفاة مدوية لعالم سقط صريعًا في امتحانه الأخلاقي.

هي الصرخة الخالدة التي تمنع الجريمة من المرور في صمت الخرس، وهي الشاهد الأخير على أن الإنسان لم يمت كليًا رغم أن هيكله الروحي قد تهشم.

إنها لا تُطعم الجائع، لكنها تمنع العابرين من الاعتياد على مشاهدة الموت بطعم الرغيف، لتغدو جرحًا ناطقًا يبقي شعلة الألم متوهجة في وجه العتمة.

وكثيرًا ما تكون الكلمات صرخات تائهة لا تعدو كونها بكاءً على ركامٍ لامبالٍ.

•••

وحين يستبطن المرء هذه الحقيقة بمرارتها المطلقة، يتشظى المعنى في الوعي ليفرز طوائف من الأرواح الحائرة.

- هناك من يرى في هذا الاعتراف الصريح بابًا للتحرر.

- وهناك من يراه إعلانًا للاستسلام.

- وهناك "البعض الثالث" الواقف بحدة على الأعراف.

وهو صنف يقف في المنطقة المعتمة والخطرة حيث يتحول العبث إلى شاهدٍ أزليٍّ لا يغفر.

إنه لا يرضى بخفة التحرر الزائف، ولا يقبل بركون الاستسلام المذل، بل يقف معلقًا على حافة "الاحتراق الهادئ"، كمرآةٍ مكسورة ترفض باستعلاء أن تكف عن عكس بشاعة العالم.

وحين يُخير الوجود الإنساني بين أن يبقى كسيزيف الساخط وبين أن يتلاشى كمرآة تذوب في لجة الأشياء، يختار البعض أن يبقى كسيزيف.

يدرك بعمق عبثية الصعود، لكنه يصر على أن يحفر بألمٍ أثر قدميه على سفح الجبل، حاملًا في كفه جمر السخط الأزلي، وفي صدره نبضًا يرفض الانطفاء حتى يروي حكاية الركام.

وهكذا يبقى البوح المتشظي خفيفًا رغم ثقل العتمة الكابوسية.

بيد أن الجبل ما زال شامخًا والقمة بعيدة، والرحلة الروحية لا تُقاس بمدى بلوغ المنتهىٰ، بل بقدرة الروح العظيمة على احتمال عناء الصعود ذاته، حتى آخر خطوة في دروب المدى.

2006

•••

ملاحظة مهمة:

على إثر إيقاف السلطة مرتباته عام 2006 بحجة غيابه عن وظيفته، والحقيقة هي أنه رفض الانتظام بمكان خارج المدينة نقلًا قسريًا كنوع من أساليب نظام حكم صالح حينها في محاربة المثقفين الذين ينتقدون فساده... على إثر توقف راتبه الشهري مصدر دخله الوحيد، قام الكاتب بجلد ذاته، متخيلًا أنه بذلك الموقف القائم على إصرار مواصلة الكتابة بالصحف والمجلات، وكأنه يذبح أبناءه وزوجته، فعبر عن ذلك بكتابة مادتين هما: قصة السكون المقلق، وهذا النص الأدبي.