تتغير الحكومات وتبقى اليمن رهينة أمراء الحرب
ما الذي تغيّر في اليمن بعد جنيف؟ سؤال لا يتعلق بأسماء الوزراء والمحافظين الجدد بقدر ما يتعلق بمصير بلد يُعاد ترتيب مواقع النفوذ فيه، بينما تظل الدولة غائبة والقرار الوطني موزعًا بين مراكز القوى وأصحاب المصالح المحلية والإقليمية والدولية.
بعد جنيف، تعود حكومة الشرعية إلى لعبة التعيينات وإعادة تدوير الوجوه، وكأن الأزمة اليمنية أزمة نقص في المناصب لا أزمة دولة مفقودة. يُعاد توزيع الحقائب والمواقع، وتُستدعى أسماء من أرشيف الصراعات السياسية القديمة، فيما لا أحد يقدم إجابة واضحة عن السؤال الأهم إلى أين تتجه اليمن، ومن يملك فعليًا قرار الحرب والسلام؟
إعادة تعيين معمر الإرياني في موقع دبلوماسي بعد مغادرته وزارة الإعلام، تفتح باب التساؤل حول طبيعة العلاقة بين التعيينات الحكومية والحسابات السياسية داخل مكونات الشرعية، خصوصًا أن الإرياني ارتبط لسنوات بتمثيل المؤتمر الشعبي العام في الحكومة، وسط تاريخ طويل من الخلافات والانقسامات التي لم تتوقف حتى بعد رحيل قياداتها. وكأن المناصب لا تزال تُستخدم لإدارة الخصومات القديمة وتصفية حسابات ما قبل اليوم، بدلًا من بناء مؤسسات تتجاوز الأشخاص ومراكز النفوذ.
وفي المقابل، تتواصل إعادة توزيع المواقع بين شخصيات جنوبية وسلفية وإصلاحية، وفق معادلة المحاصصة والتوازنات التي تحكم المشهد لا تبدو المشكلة في أن يأتي هذا المسؤول أو يذهب ذاك، ولا في انتماء سياسي أو مناطقي بعينه، بل في أن تتحول الدولة إلى مساحة لتقاسم الحصص، وأن يصبح معيار التغيير هو إرضاء مراكز النفوذ لا الكفاءة والمساءلة والبرنامج الوطني.
وحتى داخل صنعاء، تتكرر لغة إعادة ترتيب المواقع والإعلان عن حكومات وتشكيلات جديدة، وكأن طرفي الانقسام يتنافسان على إنتاج واجهات إدارية وسياسية في بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الحكومات التي لا تمتلك مشروعًا جامعًا ولا قرارًا مستقلًا.
أما حكاية الجوف والبيضاء، فتقدم مثالًا إضافيًا على عبث تدوير المواقع. يُعاد ترتيب المواقع بين أمين العكيمي وحسين العواضي، في مشهد يطرح تساؤلات عن معايير اختيار المحافظين وإدارة المحافظات، وعن مدى ارتباط هذه التغييرات بحاجات السكان ومؤسسات الدولة، أم بحسابات النفوذ والتوازنات السياسية والعسكرية. فالمحافظة ليست قطعة شطرنج، والمحافظ ليس مجرد اسم يُنقل من خانة إلى أخرى وفق مقتضيات التفاهمات.
والأكثر إشكالية أن هذه التحركات تأتي في وقت تتصاعد فيه المواجهات العسكرية، وتتعقد فيه الأوضاع الميدانية، بينما تُترك المحافظات وسكانها أمام مخاطر الحرب وتبعاتها، من النزوح والانهيار الاقتصادي إلى غياب الخدمات والمؤسسات. فماذا تعني التغييرات الإدارية إذا لم تنعكس على حياة الناس، ولم تُنهِ تعدد مراكز القرار والسلاح؟
إن أخطر ما يحدث في اليمن ليس استمرار الحرب وحده، بل تحول الحرب إلى نظام لإدارة البلاد. هناك قوى اعتادت أن تستمد نفوذها من استمرارها، وأطراف بنت حضورها على خطاب التعبئة والتخوين، وأخرى ترى في أية تسوية سياسية تهديدًا لمواقعها ومصالحها. وهكذا تصبح الهدنة مجرد استراحة لإعادة التموضع، وتتحول المفاوضات إلى محطة لإعادة توزيع الأدوار، فيما يغيب القرار اليمني المستقل عن طاولة تقرير المصير.
لا يمكن فصل المشهد عن تأثير التنافس الإقليمي والدولي في الملف اليمني، ولا عن تعدد مراكز النفوذ التي جعلت مؤسسات الدولة عاجزة عن احتكار القرار السياسي والعسكري. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: لماذا يُطلب من اليمنيين باستمرار التكيف مع خرائط النفوذ الجديدة، بدلًا من تمكينهم من تقرير مستقبل دولتهم؟
إن أخطر سيناريو على اليمن هو أن تستمر الحرب بلا حسم، وأن تُفرض هدن بلا مشروع سلام، وأن تظل البلاد معلقة بين تصعيد عسكري وتسويات مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة. حرب لا تنتهي، وسلام لا يأتي، وحكومات تتبدل، ووجوه تتناوب على المناصب، بينما يظل المواطن اليمني خارج معادلة القرار، حاضرًا فقط حين يحين موعد دفع الثمن.
أما أبواق الحرب، التي تتعامل مع كل طرف وكل تعيين باعتباره انتصارًا لمعسكر وهزيمة لمعسكر آخر، فهي جزء من المشكلة حين تحوّل السياسة إلى دعاية، وتختزل مصير بلد في أسماء المسؤولين ومواقعهم وأسماء أبواق يسعون أن يكونوا ترند باسم المؤثرين، وهم في الأصل مدمرون وطنًا. ليس المطلوب التصفيق لمحافظ جديد أو وزير جديد، ولا شيطنة كل من يغادر موقعه، بل مساءلة الجميع عن النتائج: ماذا تحقق؟ أين مؤسسات الدولة؟ أين الاقتصاد والثروات وتوزيعها؟ أين الرواتب؟ أين الخدمات؟ ومن يحاسب من يستثمرون في استمرار الحرب؟
اليمن لا تحتاج إلى مزيد من عمليات تدوير الكراسي شمالًا وجنوبًا، ولا إلى واجهات سياسية تتغير فيما تبقى منظومة النفوذ كما هي. تحتاج إلى قرار وطني مستقل، ومؤسسات تحتكر السلاح والموارد، وتسوية سياسية عادلة تضمن الشراكة والمواطنة المتساوية، وتضع حدًا لتعدد الجيوش ومراكز القرار، وتعيد الاعتبار للناس الذين دفعوا ثمن هذه الحرب من أعمارهم وأرزاقهم وأبنائهم.
فإلى متى ستظل اليمن صفقة مفتوحة بين أمراء الحرب، ومختبرًا لتفاهمات الخارج، وساحة لتجديد الولاءات وتوزيع المناصب؟ وإلى متى سيظل الشعب وقودًا لحرب لا يقرر بدايتها ولا يملك قرار إنهائها؟
ليست المشكلة أن اليمن لا تتغير وجوه حكامها، بل أن الوجوه تتغير والبلاد تبقى معلّقة، تتبدل الأسماء، وتتجدد التعيينات، وتُفتح دفاتر الحسابات القديمة، أما الوطن فيظل رهينة صفقة لم يشارك شعبه في كتابتها، ولا يعرف متى تنتهي.



