الثلاثاء 3 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • الشرق الأوسط تحت الهيمنة الغربية... من يصنع مستقبل المنطقة؟

الشرق الأوسط تحت الهيمنة الغربية... من يصنع مستقبل المنطقة؟

لم يكن الشرق الأوسط يومًا مجرد رقعة جغرافية تتوسط العالم، بل ظل ساحة مفتوحة للصراع على النفوذ والثروة والممرات الاستراتيجية. فمنذ الاستعمار الأوروبي، مرورًا بالحرب الباردة، وصولًا إلى الهيمنة الأمريكية، ظلت المنطقة هدفًا رئيسيًا للقوى الكبرى، التي لم تنظر إليها بوصفها مجموعة من الدول والشعوب فحسب، بل باعتبارها مركزًا حيويًا لمصالحها الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

لقد تغيرت أشكال السيطرة، لكن جوهر الصراع لم يتغير كثيرًا. فبعد أن كانت الهيمنة تقوم على الاحتلال المباشر، أصبحت تُمارس عبر القواعد العسكرية، والتحالفات السياسية، والعقوبات الاقتصادية، والتدخلات العسكرية، والتحكم في مسارات التسليح والطاقة. وهكذا، لم يغادر الاستعمار المنطقة تمامًا، بل أعاد إنتاج نفسه بأدوات أكثر تعقيدًا.

ويأتي النفط في مقدمة المصالح الغربية، إلى جانب الموقع الجغرافي الذي يجعل الشرق الأوسط حلقة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. فمضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس ليست مجرد ممرات بحرية، بل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي، وهو ما يجعل السيطرة على أمنها وحركتها جزءًا من حسابات القوى الكبرى.

ولعل غزو العراق عام 2003 يكشف بوضوح طبيعة هذه الهيمنة؛ فقد رُفعت شعارات الديمقراطية وتغيير النظام، لكن النتيجة كانت انهيار مؤسسات الدولة، واتساع دائرة الفوضى، وفتح أبواب الصراع الطائفي والإقليمي. وهي تجربة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل تدخل القوى الكبرى إلى المنطقة لبناء الاستقرار، أم لإعادة تشكيلها بما يتوافق مع مصالحها؟

وفي قلب هذه المعادلة، تبرز إسرائيل بوصفها أحد أهم محاور الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. فقد تحول الدعم العسكري والسياسي الأمريكي لها إلى عنصر ثابت في السياسة الخارجية الأمريكية، حتى عندما تتعارض بعض المواقف مع المطالب الدولية بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي. وقد أعادت الحرب على غزة طرح سؤال العدالة الدولية، وكشفت عن ازدواجية المعايير التي تتهم بها أطراف عديدة السياسات الغربية.

أما اليمن، فإن موقعه المطل على البحر الأحمر وخليج عدن، وإشرافه على مضيق باب المندب، جعلاه جزءًا من معادلة الصراع الدولي. ومع تصاعد التوترات في البحر الأحمر، أصبح اليمن حاضرًا في الحسابات العسكرية الغربية، ليس بسبب أزمته الداخلية فحسب، بل بسبب موقعه الذي يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز حدوده.

غير أن المشكلة لا تكمن في وجود المصالح الدولية وحدها، فالتنافس بين الدول ظاهرة طبيعية في العلاقات الدولية، وإنما تكمن في غياب مشروع إقليمي قادر على حماية المصالح العربية، وفي استمرار الانقسامات التي تجعل المنطقة أكثر قابلية للتدخل الخارجي.

إن التحرر من الهيمنة لا يتحقق بالشعارات أو المواجهات العسكرية غير المحسوبة، بل ببناء الدولة، وتعزيز الاقتصاد، وتطوير التكنولوجيا، وتوحيد المصالح الإقليمية، وتنويع الشراكات الدولية. فالدول التي لا تمتلك عناصر قوتها الذاتية ستظل رهينة لموازين القوى الخارجية، مهما امتلكت من ثروات طبيعية.

لقد بدأت ملامح النظام الدولي تتغير، ولم تعد الهيمنة الغربية مطلقة كما كانت في السابق. لكن السؤال الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم ليس من سيهيمن عليه مستقبلًا، بل هل ستتمكن شعوبه من الانتقال من موقع الساحة التي تتصارع عليها القوى الكبرى إلى موقع الطرف الذي يصنع قراره ويحدد مستقبله؟

إن أخطر ما تواجهه المنطقة ليس الهيمنة الخارجية وحدها، بل أن تتحول هذه الهيمنة إلى واقع دائم بفعل الانقسام الداخلي، وغياب الإرادة السياسية، واستمرار الصراعات التي تستنزف مقدرات الشعوب.

فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى استبدال هيمنة بأخرى، بقدر ما يحتاج إلى امتلاك قراره، وصناعة مستقبله، وبناء نظام إقليمي يحترم سيادة دوله وحقوق شعوبه.