ليبقَ الصراع سياسيًا
على امتداد تاريخ اليمن، ظل المذهب الزيدي متمركزًا في المناطق التي استقر فيها شمال البلاد، فيما حافظت المناطق الشافعية على مذهبها، رغم ما تعرضت له من غزوات وحروب شنتها قوى الإمامة على مدى قرون. ولم تؤدِّ تلك الغزوات، على كثرتها، إلى تغيير واسع في المذهب الديني للمناطق الشافعية، حتى عندما اتخذ بعضها طابعًا دينيًا، وجرى تبريرها بادعاء أن المجتمعات المستهدفة قد انحرفت عن تعاليم الإسلام، وأن الإمام إنما يقاتل لإصلاح أحوالها وإعادتها إلى الطريق الصحيح.
غير أن قراءة التاريخ تكشف أن الخطاب الديني كثيرًا ما استُخدم لتبرير التوسع في السلطة وإخضاع المجتمعات، وأن ادعاء امتلاك الحقيقة الدينية لم يكن بالضرورة سوى وسيلة لإضفاء المشروعية على الحروب. فلو كان الهدف هو تصحيح العقيدة، لكان من الطبيعي أن تترك تلك الحملات أثرًا مذهبيًا واسعًا في المناطق التي خضعت لها، وهو ما لم يحدث على النحو الذي يمكن معه القول إن المذهب الزيدي استطاع أن يحل محل المذهب الشافعي فيها.
أما اليوم، فإن تجربة الحوثيين تطرح سؤالًا مختلفًا وأكثر خطورة. فالحركة لا تكتفي بالسيطرة السياسية والعسكرية على المناطق التي تدخلها، وإنما ترتبط ممارساتها، وفق تقارير وشهادات من المناطق الخاضعة لسيطرتها، بمحاولات فرض خطابها الديني ورؤيتها للمجتمع والسلطة، بما في ذلك في مناطق ذات امتداد شافعي تاريخي. وهذا ما يمنح الصراع بُعدًا يتجاوز التنافس على الحكم إلى مسألة الهوية الدينية وحرية المجتمع في الاحتفاظ بمعتقداته وتقاليده.
ولا يعني ذلك أن كل ما يجري في مناطق سيطرة الحوثيين يمكن اختزاله في صراع مذهبي، أو أن أبناء المذهب الزيدي مسؤولون عن ممارسات الحركة. فالمذهب الزيدي، بوصفه تراثًا دينيًا وتاريخيًا، ليس مرادفًا للمشروع الحوثي، كما أن المجتمعات الزيدية والشافعية ليست كتلتين سياسيتين متجانستين. لكن تجاهل البعد المذهبي في المشروع الحوثي، والاكتفاء بوصف الحرب بأنها صراع سياسي على السلطة، يمثل بدوره قراءة ناقصة للواقع اليمني.
إن الصراع في اليمن له جذور تاريخية وسياسية واجتماعية متشابكة، وقد اكتسب في مرحلته الراهنة أبعادًا جديدة بفعل محاولة ربط السلطة السياسية برؤية دينية تمنح جماعة بعينها حقًا استثنائيًا في الحكم، وتتعامل مع المجتمع على أساس القبول بهذه الرؤية أو الخضوع لها. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الخلاف على السلطة يمكن تسويته بالتوافق وتقاسم المسؤوليات والاحتكام إلى إرادة المواطنين، أما الصراع على هوية المجتمع ومعتقداته، حين يُفرض بالقوة، فإنه يترك جروحًا عميقة يصعب التئامها.
إن فرض المعتقدات بالقوة لا يصنع إيمانًا، وإنما يولّد الرفض والاحتقان ويعمّق الانقسامات. وكلما اتسعت محاولات إخضاع المجتمع مذهبيًا، ازدادت صعوبة الوصول إلى سلام مستدام، لأن الناس لن ينظروا إلى القضية باعتبارها مجرد خلاف على إدارة الدولة، وإنما باعتبارها دفاعًا عن هويتهم وحقهم في الاختيار.
لهذا، فإن من يريد فهم الصراع اليمني، أو البحث عن مخرج حقيقي له، عليه أن ينظر إلى أبعاده كافة، السياسية والتاريخية والمذهبية، دون أن يحوّل الخلاف الديني إلى خصومة بين المواطنين أنفسهم. فالمشكلة ليست في أن يكون اليمني زيديًا أو شافعيًا، وإنما في أن تتحول العقيدة إلى أداة لاحتكار السلطة وفرض الوصاية على الآخرين.
ولا يمكن بناء دولة يمنية مستقرة إلا على أساس المواطنة المتساوية، وحق كل إنسان في اعتناق مذهبه وممارسة شعائره دون إكراه، ورفض منح أي سلالة أو جماعة أو مذهب حقًا حصريًا في الحكم. فاليمن وطن لجميع أبنائه، ولن ينتهي صراعه ما لم يُحسم مبدئيًا أن السلطة حق للمواطنين جميعًا، وليست امتيازًا دينيًا أو وراثيًا لأحد.



