اليمن في جيوبهم… والوطن تحت الأنقاض
لم يقع اليمن في قبضة حكّام فاشلين فحسب، بل في قبضة طبقة أتقنت فناً أشد قذارة: تحويل الوطن المنهك إلى ماكينة للإثراء الشخصي، وتحويل الحرب من كارثة ينبغي إنهاؤها إلى موسم مفتوح لتقاسم الغنائم.
في هذا النموذج البائس للحكم، لم تعد الدولة وطناً يُدار، بل غنيمةً تُقتسم… المال العام غنيمة، والمؤسسات غنيمة، والوظيفة العامة غنيمة، والعقود غنيمة، والنفوذ غنيمة، وحتى بؤس المواطن أصبح مادة قابلة للاستثمار السياسي والمالي.
ولم يسلم حتى ما قُدّم لإنقاذ اليمنيين من آثار الكارثة؛ فالإعانات والمنح والمساعدات تحولت، في ظل الفساد وانعدام الشفافية والمحاسبة، إلى باب آخر للعبث والاستحواذ،أصبح الجائع رقماً، والنازح بنداً، والمأساة سوقاً، وكلما طال الخراب اتسعت شهية المنتفعين منه.
وحين تخلق الحرب أثرياءها، يصبح السلام خطراً على تجارتهم.
فانتهاء الحرب لا يوقف المدافع فقط، بل يفتح الدفاتر أين الأموال؟ أين الإيرادات؟ أين المنح والمساعدات؟ ومن راكم الثروة بينما كان اليمني يراكم الجوع والفقر والخذلان؟
ولكي تستمر وليمة الخراب، كان لا بد من تحييد آخر ما قد يفسدها: تهميش الكفاءه ،ووأد للخبرة، وتمكين الرداءه وفتح الباب للولاءات والمحسوبيات،لأن الكفاءة في دولة الغنيمة ليست ميزة، بل تهديد؛ فالمسؤول ذو الخبره قد يرتكب الخطيئة التي لا تُغتفر: أن يسأل: أين ذهب المال؟
إنهم يخافونه لأنه يستطيع إغلاق الخزانة.
ولهذا تُفرَّغ مؤسسات الدولة من العقول، فيسمون ذلك «إعادة هيكلة». وتُوزَّع المؤسسات بالمحاصصة، فيسمونها «توافقاً»
يا لها من عبقرية لغوية رخيصة.
فالسرقة لا تصبح سياسة مالية لأنها تحمل ختماً رسمياً، والمحسوبية لا تصبح إدارة لأنها صدرت بقرار، والسطو لا يتحول إلى حكم رشيد إذا ارتدى صاحبه بدلة وربطة عنق واللص لا يصبح رجل دولة لمجرد أن خلفه علماً وأمامه ميكروفون.
إن منظومة النهب لا تحتاج إلى أصحاب خبرة؛ تحتاج فقط إلى موظفين يعرفون متى يصمتون. وهكذا لم يُسرق المال وحده؛ سُرقت الدولة، وأُقصي كل من قد يستطيع استعادتها.
من قال إن كل من يجلس حول مائدة الحرب يريد فعلاً أن تنتهي؟
فالذي بنى ثروته على أنقاض البلد، ماذا سيفعل بالسلام؟



