شرعية الفنادق والمنفى: عندما يسقط مجلس القيادة الرئاسي في اختبار الداخل
في العرف السياسي، تُعرّف الشرعية بأنها التفاف الشعب حول سلطته وثقته في قدرتها على إدارة شؤونه وحمايته. هذه المشروعية لا تُمنح بصكوك دولية أبدية، ولا تُستمد من ردهات الفنادق الفاخرة وعواصم الاغتراب. لكن عند النظر إلى واقع مجلس القيادة الرئاسي اليمني، تبرز أمامنا بوضوح معضلة "شرعية المنفى بلا شرعية الواقع"؛ سلطة تحظى باعتراف دبلوماسي خارجي كامل، بينما تعيش غيابًا تامًا وانفصالًا مطلقًا عن المعاناة اليومية للشعب في الداخل.
إن بقاء معظم القيادات وأعضاء المجلس في الخارج، بعيدًا عن تراب الوطن، شكّل طعنة في خاصرة هذه الشرعية. فالمواطن اليمني الذي يعيش تحت وطأة الانهيار الاقتصادي الكارثي، والتهاوي التاريخي لقيمة الريال، وانعدام الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه، يرى في إقامة مسؤوليه في الخارج دليلًا على الهروب من المسؤولية. لقد تحولت هذه السلطة في نظر الشارع إلى "سلطة افتراضية" تدير البلاد عبر البيانات الصحفية واللقاءات البروتوكولية، معزولة تمامًا عن لهيب الأزمات التي تحرق المواطن البسيط.
هذا الغياب الطويل عن الداخل لم يفرز عجزًا خدميًا فحسب، بل أدى إلى تآكل الثقة السياسية بجدوى هذا المجلس. فالتواجد في الخارج يكرس حالة الانقسام، ويجعل من الصعب توحيد الرؤى والقرارات العسكرية والأمنية والاقتصادية. وحينما تعجز سلطة ما عن ممارسة مهامها السيادية من داخل عاصمتها المؤقتة أو مدنها المحررة، فإنها تفقد بالتبعية مبرر وجودها الشعبي، وتصبح شرعيتها مجرد حبر على ورق المنظمات الدولية.
إن الشعوب لا يمكن أن تحمي سلطة لا تقاسمها العيش، ولا تواجه معها المخاطر اليومية. والاستمرار في الاتكاء على اعتراف المجتمع الدولي كبديل عن الحاضنة الشعبية هو رهان خاسر، فالتاريخ يعلمنا أن الشرعية التي لا تجد لها جذورًا في الداخل تسقط تلقائيًا مع أول عاصفة.
إن المخرج الوحيد لإنقاذ ما تبقى من هيبة هذه السلطة هو الإدراك الفوري بأن زمن "إدارة الأزمات من غرف الفنادق" قد انتهى. إن مجلس القيادة الرئاسي مطالب اليوم بـ مغادرة المنفى بشكل نهائي، والعودة الكاملة إلى أرض الوطن، والعمل من وسط المعاناة لإيجاد حلول حقيقية وجريئة للوضع الاقتصادي والخدمي المتردي. بدون هذه الخطوة الشجاعة، سيظل المجلس هيكلًا سياسيًا بلا روح، يحمل صفة الشرعية قانونًا، ويفتقدها فعلًا على أرض الواقع.



