الثلاثاء 3 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • الوزير الجديد... حين تُسأل الدولة عن صوتها

الوزير الجديد... حين تُسأل الدولة عن صوتها

لا يُقاس القرار الذي يعيّن وزيرًا جديدًا بالاسم، وإنما بما يُصلحه. وسالم العولقي لا يتسلّم حقيبة الإعلام وحدها، وإنما يتسلّم سؤالًا أساسيا ثقيلًا: ما الذي يبقى من الدولة إذا فقدت قدرتها على رواية نفسها بصدق؟

صدر القرار اليوم بتعيين سالم العولقي وزيرًا للإعلام، خلفًا لمعمر الإرياني. وتزامن الإعلان مع مرحلة يصفها اليمنيون بالحاسمة والمصيرية، تتقاطع فيها معركة استعادة الدولة مع معركة الوعي.

الإعلام في زمن الحرب ليس ملحقًا بالمعركة. هو الفضاء الذي تتشكّل فيه المعاني، ويتحدّد فيه من نكون ومن نواجه ولماذا نقاوم. ومن يُفرّط في الإعلام يُفرّط في الوعي، والوعي هو الجبهة التي تسبق كل الجبهات.

يدخل العولقي وزارة يقول كثير من العاملين فيها والمتابعين لشأنها إنها فقدت كوادرها. فآلاف الإعلاميين والصحفيين المنتسبين إليها غُيّبوا عن المشهد وأهملوا، ويعيش كثير منهم حالة "بائسة ومهينة"، بعد أن جُرّدوا من أدوارهم وحضورهم. وفي المقابل يرى هؤلاء أن مكانهم شغلته مجموعة من الناشطين والناشطات والمغردين بحمد الوزير والفساد وأصحاب الحضور السريع في المنصات، جرى استيعابهم ككوادر بديلة بمعيار القرب والمحاباة لا الكفاءة. وأصحاب هذا الرأي ينسبون إلى ذلك أثرًا مباشرًا في المشهد الإعلامي: تضليل وتسطيح وفوضى وتراجع في أخلاقيات المهنة. ويحمّلون الوزير السابق وحاشيته المسؤولية عن هذا المسار.

ويبدو السؤال المطروح أمام الوزير الجديد أكبر من الوزارة نفسها. فالدولة التي تخوض معركة وجودية تحتاج إلى إعلام يصنع الوعي والمعرفة، ويقدّم دعاية بنّاءة تحترم عقول الناس، ويتبنّى خطابًا يمثّل فئات المجتمع كلها ويقاوم العنصرية والمناطقية والقبح والجريمة والظلم. وحين يضعف هذا الإعلام تتأثر المعركة الوطنية ذاتها، لأن من يخسر الرواية يخسر جزءًا من الأرض.

وهنا السؤال المؤلم الذي يجب على الوزير الجديد أن يطرحه: أين ذهبت آلاف الكوادر الصحفية والإعلامية المنتسبة للوزارة؟ لماذا غابت الخبرة المهنية عن المشهد، وأُقصيت الكفاءات التي راكمت المعرفة والأخلاق المهنية على مدى عقود، وتُركت لحياة مهينة بين الإهمال والتجاهل؟ وفي المقابل، لماذا اتّسع المجال لمن جعلوا الولاء الشخصي والحضور الصاخب في المنصات بديلًا عن الكفاءة؟

حين تُستبدل المهنية بالمحاباة، لا تقتصر خسارة المؤسسة في الموظفين والكوادر، الخسارة الأكثر ايلاما؛ هي خسارة ذاكرتها ومعاييرها وقدرتها على التمييز بين الخبر والدعاية، وبين الخطاب الجامع والتحريض المدمر.

وعندما يغيب المعيار يحلّ التسطيح والتضليل والفوضى، ويتحوّل المشهد الإعلامي إلى ضجيج يستهلك المعنى ولا يصنعه.

وللأمر كلفة وطنية مباشرة. فالمعركة الحاسمة لاستعادة الدولة تحتاج خطاباا يمثّل اليمنيين جميعا ويقاوم العنصرية والمناطقية والكراهية، ويُنصت لكل فئات المجتمع بدل أن يُقصيها. والإعلام الذي يفقد أخلاقياته المهنية لا يخدم هذه المعركة، بل يُضعفها من الداخل ويقضي عليها.

فهل يستطيع هذا القرار أن يغيّر شيئا؟ الجواب لا يكمن في التعيين نفسه، بل في ما يليه:

- إعادة الاعتبار للكادر المهني وصون كرامته الوظيفية.

- اعتماد الكفاءة والمعايير الشفافة بدل الشبكات الشخصية.

- بناء خطاب جامع يستعيد ثقة اليمنيين بإعلامهم.

الإصلاح الحقيقي يبدأ بإنصاف من أُقصوا وإعادة الاعتبار للمهنة. وسيحكم اليمنيون على الوزير الجديد بمدى استعادة الإعلام لصدقه، لا بحجم بياناته والتسويق له.

فالدولة التي لا تحترم كوادرها لا تستطيع أن تُقنع شعبها بأنها جديرة بالاستعادة.