عن ميثاق الشرف القبلي لحماية المدنيين والمدنيات
لماذا نهاجم من يحاول أن يعمل؟
لا. ليس الهدف إحلال القبيلة محل الدولة المدنية.
لا. لم يقل أحد إن المشاركين والمشاركات في المؤتمر يمثلون اليمن بكل تنوعه.
ولا. لم يكن الهدف إقصاء المجتمع المدني اليمني، أو الانتقاص من دوره.
الهدف كان ولا يزال حماية اليمنيين واليمنيات في مناطق النزاع، على اختلاف انتماءاتهم السياسية والفكرية والجغرافية.
الحماية. لا أكثر ولا أقل.
تابعت خلال الأيام الماضية ردود الفعل الغاضبة والساخرة التي أعقبت مؤتمر الإعلان عن ميثاق الشرف اليمني القبلي لحماية المدنيين، الذي عُقد في جنيف في 29 أكتوبر 2026، بتنظيم من مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن (ديكاف)، ووزارتي الخارجية السويسرية والهولندية.
وكان في بعض الانتقادات ما يستحق النقاش الجاد.
هل نسعى إلى إعادة اليمن إلى مربع القبيلة؟ وماذا عن الدولة المدنية التي ننشدها؟ وماذا عن المجتمع المدني اليمني، بمنظماته وناشطاته وناشطيه؟ هل يعني هذا الميثاق الاعتراف بسلطة القبيلة على حساب مؤسسات الدولة؟
هذه أسئلة مشروعة. بل أعتقد أنه من الضروري طرحها ومناقشتها.
لكن الإجابة عنها لا تكون بالتشكيك في نيات المشاركين والمنظمين، ولا بالسخرية من المبادرة قبل قراءة نصوصها، وبالتأكيد ليس بالهجوم الشخصي على من عملوا من أجلها.
دعوني أوضح لماذا.
الحماية في زمن الحرب
نحن نتحدث عن بلد مزقته حرب مستمرة منذ أكثر من عقد، تراجعت فيها سلطة الدولة ومؤسساتها، وتعددت مراكز القوة العسكرية والسياسية، وأصبح المدنيون والمدنيات يدفعون ثمناً باهظاً لصراع لا يبدو أن نهايته قريبة.
في مثل هذه الظروف، يصبح السؤال الملح: كيف نحمي الإنسان؟
كيف نحمي المدنيين والمدنيات في المناطق التي تشهد مواجهات مسلحة؟ كيف نضمن معاملة الأسرى بإنسانية؟ كيف نحمي النساء والأطفال، ونضمن حرية التنقل، ونمنع الاعتداء على المستشفيات والمدارس والأسواق ودور العبادة؟
هذه ليست أسئلة نظرية. إنها تتعلق بحياة الناس وكرامتهم وأمنهم.
ولأن القبيلة كانت ولا تزال فاعلاً اجتماعياً مؤثراً ومتأثراً بالحرب اليمنية، كان من الضروري التفكير في كيفية الاستفادة من الأعراف القبلية التي يمكن أن تسهم في حماية المدنيين.
فالقبائل ليست خارج هذه الحرب. بعضها انخرط فيها، وأصبح أبناؤها وقوداً بشرياً لأطراف النزاع. وبعضها تعرض للآثار المدمرة للمواجهات المسلحة. وهناك قبائل تستقبل النازحين، وتتوسط في النزاعات، وتتعامل مع الأسرى وجثث القتلى، وتسهم في فتح الطرق وتسهيل حركة المدنيين.
والقبيلة، بطبيعة الحال، ليست كياناً واحداً متجانساً. تختلف أعرافها وممارساتها من منطقة إلى أخرى، كما أن دورها ليس إيجابياً دائماً. فقد استخدمت بعض الأعراف لتبرير ممارسات تمييزية، خاصة بحق النساء.
وهذا تحديداً ما يجعل من الضروري إخضاع تلك الأعراف للنقاش والنقد، والتمييز بين ما يمكن الاستفادة منه لحماية الإنسان، وما يتعارض مع حقوقه وكرامته.
الهدف ليس إضفاء الشرعية على كل ما هو قبلي، بل الاستفادة من القواعد العرفية التي يمكن أن تساعد في حماية الإنسان، دون أن تتعارض مع القانون وحقوق الإنسان.
ومن هنا جاءت فكرة ميثاق الشرف القبلي.
اقرأوا الميثاق أولاً
قبل أن نحكم على المبادرة، دعونا ننظر إلى ما ينص عليه الميثاق نفسه.
ما الذي يثير الغضب من نصوص تؤكد احترام الأسرى، والتعامل معهم بإنسانية، وعدم تعذيبهم أو إذلالهم؟
ما الذي يثير السخرية من نصوص تدعو إلى حماية الأماكن العامة والأعيان المدنية من أعمال العنف أو الاستخدام العسكري، بما فيها دور العبادة والأسواق والمدارس والمستشفيات؟
ما الذي يثير الاعتراض على نصوص تؤكد ضرورة إجلاء المصابين وتوفير وسائل نقلهم وتقديم العلاج اللازم لهم، بغض النظر عن انتمائهم الفكري أو السياسي أو الجغرافي أو العسكري؟
وما الذي يوجع في نصوص تدعو إلى حماية المدنيين وغير المقاتلين من الأعمال العدائية، بمن فيهم من استسلم أو لم يعد يحمل السلاح؟
ما الذي يثير الغضب من نصوص تضمن حرية تنقل المدنيين بأمان، وتمنع عرقلة المساعدات الإنسانية والطواقم الطبية وعمليات الإجلاء؟
ولماذا الاعتراض على نص يرفض القذف والتشهير والطعن في الأعراض، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها؟
هذه ليست مبادئ غريبة عن اليمن، ولا تتناقض في جوهرها مع قواعد القانون الدولي الإنساني.
بل هي قواعد أساسية لحماية الإنسان في أوقات الحرب.
وبالطبع، يمكن مناقشة صياغتها، ومدى اتساقها مع القانون، والضمانات اللازمة لتنفيذها، بل وحتى الاعتراض على بعض بنودها. وأنا شخصياً لدي ملاحظات بشأن تعزيز منظور حقوق النساء في نص الميثاق، وضمان مشاركتهن في آليات تنفيذه، وعدم الاكتفاء بالنظر إليهن بوصفهن فئة تحتاج إلى الحماية.
لكن هناك فرقاً بين نقد النصوص والعمل على تحسينها، وبين رفض المبادرة والسخرية منها دون مناقشة مضمونها.
اقرأوا الميثاق أولاً. ثم انتقدوه كما تشاؤون.
لكن إقراؤه اولاً.
هل يحل الميثاق محل الدولة؟
هذا هو الاعتراض الذي أعتقد أنه يستحق اهتماماً خاصاً.
فأنا من الذين يؤمنون بأن مستقبل اليمن لا يمكن أن يقوم إلا على دولة مدنية، بمؤسسات تحمي حقوق المواطنين والمواطنات، وتضمن المساواة أمام القانون، وتحتكر ممارسة السلطة العامة في إطار القانون والمساءلة.
ولا أرى في القبيلة بديلاً عن هذه الدولة.
لكن علينا أيضاً أن نميز بين الدولة التي ننشدها، والواقع الذي نعيشه.
في مناطق عديدة من اليمن، تراجعت مؤسسات الدولة أو غابت، بينما استمرت القبائل في أداء أدوار اجتماعية تتعلق بحل النزاعات وحماية المجتمعات المحلية.
هل نتجاهل هذا الواقع لأننا نريد دولة مدنية؟ أم نحاول التعامل معه بما يساعد على حماية الناس، وفي الوقت نفسه يدعم استعادة مؤسسات الدولة لدورها؟
أعتقد أن الإجابة تكمن في الخيار الثاني.
وهذا لم يكن غائباً عن المؤتمر، ولا منظميه، كما قد توحي بعض الانتقادات.
فقد خُصصت ورش العمل لأليات تنفيذه والأهم، في الورشة الرابعة، نوقشت العلاقة بين ميثاق الشرف القبلي ومؤسسات الدولة.
وكان إدراج هذا الموضوع موفقاً للغاية.
فقد أكدت توصيات المجموعة أن الميثاق يجب أن يعمل في إطار الدولة ومؤسساتها، وألا يشكل بديلاً عن القوانين النافذة أو السلطات القضائية والأمنية والإدارية.
وكانت الغاية التي أكدت عليها المجموعة واضحة: الانتقال من الاعتماد على القبيلة لتعويض غياب الدولة إلى التعاون معها من أجل استعادة حضور الدولة ومؤسساتها.
هذه نقطة مهمة تستحق التأكيد عليها عند تقديم المبادرة والتعريف بأهدافها للرأي العام.
الميثاق ليس مشروعاً لإحلال القبيلة محل الدولة، بل محاولة للاستفادة من دورها الاجتماعي في حماية المدنيين خلال الحرب، مع التأكيد على مسؤولية الدولة ومؤسساتها عن حماية الحقوق وتطبيق القانون.
لكن علينا أيضاً أن نكون واضحين: هذه توصيات تحتاج إلى ترجمة عملية، ولا يكفي إعلانها لضمان تنفيذها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الآن هو كيف نضمن ألا يتحول الميثاق إلى مجرد وثيقة أخرى تضاف إلى وثائق كثيرة لم تجد طريقها إلى التطبيق.
فكرة لم تولد بين ليلة وضحاها
من المهم التوضيح أن فكرة ميثاق الشرف القبلي لم تولد فجأة، ولم تكن مجرد مبادرة أُعدت لعقد مؤتمر في جنيف.
لقد بدأت تتبلور في حوارات نظمها مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن (ديكاف) منذ يونيو 2023، وشارك فيها ممثلون عن القبائل وفاعلون من خلفيات مختلفة. وعلى مدى أكثر من ثلاث سنوات، تطورت الفكرة من مقترح لمدونة سلوك تستند إلى الأعراف القبلية لحماية المدنيين، إلى نقاشات حول صياغة الميثاق ومبادئه وضمانات تنفيذه، وصولاً إلى النص الذي عُرض في مؤتمر أكتوبر 2026.
هذا لا يعني أن المبادرة فوق النقد. لكنه يعني أن من الإنصاف التعامل معها بوصفها جهداً تراكمياً يستحق القراءة والتقييم الجاد، لا اختزالها في صورة ساخرة أو اتهام عابر.
من حقنا أن ننتقد. لكن ليس من حقنا أن نغتال سمعة إنسان.
وهنا أصل إلى ما دفعني أساساً إلى كتابة هذا المقال.
لقد تابعت انتقادات المؤتمر على وسائل التواصل الاجتماعي. وكان بعضها مشروعاً، حتى عندما اختلفت معه.
لكن ما آلمني حقاً هو انتقال بعض هذا النقد من مناقشة المبادرة إلى الهجوم الشخصي على القائمين عليها، ولا سيما خلدون باكحيل، كبير الخبراء في مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن (ديكاف).
وأنا هنا أتحدث عن شخص عرفت عن قرب حجم الجهد الذي بذله على مدى سنوات، وتابعت تفانيه في العمل من أجل اليمن، وإيمانه بإمكانية إحلال السلام فيها، بلا كلل، ليلاً ونهاراً، يتواصل مع هذا الطرف وذاك، ويحاور ويقنع، ويسعى إلى بناء الثقة وجمع الناس حول هدف مشترك، هو حماية المدنيين والمدنيات في ظل هذه الحرب.
وقد أسهمت جهوده، إلى جانب جهود زملائه وشيوخ القبائل والمشاركين والمشاركات في المبادرة، في حشد التأييد للميثاق وجمع نحو خمسة آلاف توقيع عليه.
ولهذا تحديداً، يؤلمني أن يتحول الاختلاف حول المبادرة إلى استهداف شخصي لمن بذل كل هذا الجهد من أجل إنجاحها.
ما الذي نكسبه حين نعرّض أشخاصاً يعملون من أجل حماية اليمنيين واليمنيات لحملات من التشهير والتحريض، قد تصل تبعاتها إلى تهديد سلامتهم؟
حق مشروع أن ننتقد طريقة تنظيم المؤتمر، أو اختيار المشاركين والمشاركات، أو صياغة الميثاق، أو آليات تنفيذه.
لكن لماذا يتحول الاختلاف إلى استهداف شخصي؟
ولماذا يصبح من يعمل على مبادرة لحماية المدنيين هدفاً للتشهير والتجريح، وربما للتهديد؟ والأفظع التخوين؟ ذاك الذي يهدد سلامته واسرته؟
الانتقال من النقد إلى التحريض أمر خطير، خاصة في بلد يعيش حرباً وانقسامات حادة، ويمكن أن تكون للكلمات فيه عواقب تتجاوز الفضاء الافتراضي.
لا أستطيع أن أحكم على نيات المنتقدين، ولا أريد ذلك. لكنني أعتقد أن علينا جميعاً أن نتحمل مسؤولية الكلمات التي نكتبها، والاتهامات التي نوجهها، والنتائج التي قد تترتب عليها.
النقد حق. أما التهديد والتحريض فليسا نقداً.
والمفارقة المؤلمة أن الميثاق نفسه يتضمن بنداً يرفض القذف والتشهير والطعن في الأعراض، بما في ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
فكيف يصبح الرد على مبادرة تدعو إلى حماية كرامة الإنسان انتهاكاً لكرامة من يعملون عليها؟
لماذا نهاجم من يعمل؟
كان والدي يردد عبارة ظلت عالقة في ذاكرتي: أن من مآسي هذا البلد أنه قد يأكل أبناءه وبناته، الذين يكدون ويعملون من أجله.
وأجدني أتذكر هذه الكلمات اليوم.
ليس لأن اليمنيين واليمنيات لا يقدرون من يعمل من أجلهن. ولا لأن النقد يجب أن يتوقف باسم النيات الحسنة.
بل لأننا، في خضم خلافاتنا وانقساماتنا، قد نصل أحياناً إلى مرحلة يصبح فيها من الأسهل مهاجمة من يحاول أن ينجز شيئاً، بدلاً من مناقشة ما يفعله، والبناء على ما أنجزه.
نحن بحاجة إلى النقد. بل إلى نقد جاد وصارم، خاصة عندما يتعلق الأمر بمبادرات تمس مستقبل اليمن، والعلاقة بين القبيلة والدولة، وحقوق الإنسان.
ونحن بحاجة أيضاً إلى أن نسأل عن دور المجتمع المدني، عن آليات المساءلة، وعن كيفية ضمان ألا تستخدم الأعراف القبلية لتبرير ممارسات تتعارض مع حقوق المواطنين والمواطنات.
كل هذه أسئلة مهمة.
لكننا بحاجة، بالقدر نفسه، إلى ألا نحول النقد إلى وسيلة لإسكات من يعملون، أو تعريضهم للخطر.
فليس من مصلحة اليمن أن يصبح من يحاول المساهمة في حماية الناس هو نفسه هدفاً للهجوم والتهديد.
ولا ينبغي أن نطلب من الإنسان في اليمن أن يعمل من أجل بلده، ثم نعاقبه لأنه حاول فعل ذلك.
الميثاق ليس حلاً للحرب اليمنية. ولا يمكنه أن يحل محل الدولة، أو القانون، أو التسوية السياسية التي يحتاجها اليمن.
لكنه محاولة لوضع قواعد تحد من الانتهاكات وتحمي المدنيين والمدنيات في ظروف بالغة الصعوبة. ولذا هو إنجاز هام في هذه المرحلة.
فلنقرأه. ولنناقشه. ولننتقد ما يحتاج إلى النقد. ولنطالب بتطويره وضمان تنفيذه.
لكن دعونا لا نحطم كل جهد قبل أن نمنحه فرصة للاختبار.
فاليمن الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى مزيد من التخوين والتشهير. يحتاج إلى من يعمل من أجله.
جوهر المبادرة لم يزد عن سؤال واحد: كيف نحمي الإنسان اليمني في زمن الحرب؟
فلنختلف حول الإجابة، ولنناقش الوسائل والضمانات، لكن لماذا نهاجم من يعمل؟



