الإثنين 2 نوفمبر 2026

نكف يمني في مطارح جنيف

لقاء جمع يمنيين من مختلف الاتجاهات.. تواصل اجتماعي إيجابي، وفعالية سياسية انتهت حيث بدأت!
عندما وُجّهت الدعوة إلى نخبة من اليمنيين، من مختلف التوجهات السياسية والاجتماعية، ومن مختلف جغرافيا البلاد، للمشاركة في لقاء بمدينة جنيف، سادت حالة من التفاؤل بين المدعوين، رغم الغموض الذي أحاط بالدعوة، سواء من حيث جدول الأعمال (الأجندة) أو أسماء المشاركين.

فقد تعمّدت الجهة المنظمة، مؤسسة (DECAF)، عدم تقديم معلومات مسبقة وواضحة عن طبيعة الفعالية ومضامينها، الأمر الذي أثار جدلاً بين المدعوين حول جدوى المشاركة، وما يمكن أن يُطرح خلالها، وما يُراد الوصول إليه من نتائج.
ومع ذلك، قرر كثيرون خوض التجربة والحضور، ربما ليس بسبب موضوع الدعوة بحد ذاته، بقدر ما كان ذلك تعبيراً عن شوق اليمنيين إلى اللقاء ببعضهم وجهاً لوجه، والتحاور فيما بينهم بعيداً عن الاستقطابات والاصطفافات. وهو ما تبيّن لاحقاً أنه الجانب الأهم في اللقاء، وربما أكثر أهمية من الفعالية نفسها ومخرجاتها، أو بالأحرى مدخلاتها التي بدا أن جانباً منها قد أُعدّ مسبقاً، وأن حضور المشاركين لم يكن في معظمه سوى إضفاء مشروعية على أمر جرى التحضير له سلفاً، ولن نقول إنه دُبّر بليل.

بين المؤامرة والعشوائية

لم يقتصر الجدل على أروقة اللقاء، بل امتد إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تعددت القراءات بشأن أبعاد ما عُرف بـ«مطارح جنيف».
فبين من رأى فيه مؤامرة ذات أبعاد اجتماعية سياسية، ومن اعتبره فعالية عشوائية لا تتجاوز محاولة الانتفاع من وراء تنظيمها، وبين هذين التفسيرين، ربما كانت هناك فكرة أولية حسنة النوايا لدى بعض من تبنّوها، لكنها لم تكن تمتلك مقومات التحول إلى مشروع اجتماعي سياسي منتج، ولا آليات واضحة لتنفيذه، ولا أدوات تضمن استمراره أو تحقيق أهدافه، انتهى حيث ابتداء .
بمعنى آخر، كانت أقرب إلى حالة انفعالية تستدعي العاطفة والأعراف والأسلاف، على غرار مطارح فدغم، أكثر منها مشروعاً له رؤية وأهداف وآليات عمل. إنها مطارح في أرض فضاء اوروبية ، تستنهض المشاعر، لكنها تفتقر إلى المخالب والأنياب التي تمكّنها من تحويل الحماسة إلى فعل ونتائج.
أما التنظيم، فلم يكن أفضل حالاً من الفكرة نفسها؛ إذ اتسم بالعشوائية والارتباك، مع حضور واضح للفهلَوة ومحاولات إرضاء المشاركين باقل تكلفة، دون توفير الحد الأدنى المعقول والمقبول من واجبات الضيافة والتنظيم التي تليق بمثل هذه الفعاليات.

كيف سارت الفعالية؟

بدأ المسار بإقرار الميثاق دون مناقشته في الجلسة الافتتاحية، والذي لم يطّلع معظم الحاضرين على تفاصيله إلا لحظة طرحه للإقرار داخل مبنى الأمم المتحدة، وهو ما يثير تساؤلاً مشروعاً عن طبيعة المشاركة في صياغة وثيقة يُفترض أنها تمثل توافقاً بين المشاركين.
وفي الجلسة المسائية، فرض رعاة الفعالية تشكيل خمس لجان دون نقاش او استشارة للحاضرين، طُلب من كل منها الاجتماع بصورة منفصلة لمدة ساعة واحدة فقط، لمناقشة القضايا المطروحة وصياغة الملاحظات والتوصيات، على أن تُعرض لاحقاً في لقاء جماعي لم يتجاوز بدوره ساعة من الزمن.
وبذلك، انتهى الجانب السياسي والفكري من الفعالية في وقت قياسي، دون أن تتاح للمشاركين فرصة حقيقية لمناقشة القضايا أو تعديلها أو التعمق فيها أو بناء تصورات مشتركة بشأنها.
في المقابل، خُصص ما تبقى من اليوم، واليوم التالي، لمعالجة القضايا المادية واللوجستية المتعلقة بالمشاركين، من تسوية تكاليف تذاكر السفر لمن دفعوها من حساباتهم الخاصة، وتعويض تكاليف السفر والتأشيرات، وغيرها من التفاصيل المالية والتنظيمية.
ورغم معالجة كثير من تلك المسائل، فإنها ظلت حاضرة في أجواء اللقاء، بما رافقها من مساومات وارتباك واستياء، بل إن بعض الملفات بقيت عالقة حتى لحظة مغادرة المشاركين.
وهكذا، بدا أن الوقت الذي كان يفترض أن يُستثمر في مناقشة موضوع اللقاء ومستقبل اليمن وقضاياه المصيرية، استُهلك جزء كبير منه في تسوية حسابات السفر والإقامة ومستلزمات المشاركة!

الخلاصة: وصل الله وبارك!

بعيداً عن كل التأويلات والاتهامات، يمكن القول إن لقاء جنيف حقق نجاحاً نسبياً في جانب واحد، هو إتاحة الفرصة لليمنيين من مختلف الاتجاهات والمشارب للالتقاء والتعارف والتواصل المباشر، وربما كان هذا الجانب هو المكسب الحقيقي الوحيد الذي خرج به المشاركون.
أما من حيث المضمون الاجتماعي والسياسي، فقد جاءت الفعالية أقرب إلى «الطلفاس» منها إلى مشروع جاد للحوار أو مبادرة قابلة للبناء عليها، فلا نقاش معمقاً، ولا توافقاً مؤسسياً، ولا آليات واضحة للمتابعة والتنفيذ.
وبذلك، يمكن القول إن "مطارح جنيف " انتهت حيث بدأت؛ حماسة في الدعوة، وضجيج في الترتيبات، ولقاء اجتماعي إيجابي، أما المشروع الاجتماعي السياسي الموعود فلم يتجاوز حدود الفكرة الأولية الحالمة .

وصل الله وبارك!