الإثنين 2 نوفمبر 2026

حين تتداعى القبائل إلى جنيف

توضيح قانوني وعرفي: ما حصل في جنيف ليس لقاءً قبلياً ولا مؤتمراً للقبائل. فاللقاء القبلي في عرف اليمن لا ينعقد إلا في أرض القبيلة وبدعوة شيخ معلوم وثقله على الأرض، وموضوعه دم أو عرض أو حمى.

ومؤتمر القبائل لا ينعقد إلا بتفويض جماعي من كل القبائل ووثيقته ملزمة للجميع. أما ما جرى في جنيف فهو ورشة عمل دولية بتمويل منظمة أجنبية، حضرها أفراد لا يحملون تفويضاً قبلياً، ولا يملكون حق التوقيع باسم قبائلهم، ولا تستطيع وثيقتهم أن تلزم خيمة واحدة في مأرب أو أبين. فحولوا الورشة إعلامياً إلى "مؤتمر" لشرعنة أنفسهم أمام المانح الدولي. إنه لقاء سياسي بلباس قبلي.

مؤتمر مشائخ
مؤتمر مشائخ

ليست مشكلة اليمن تكمن في عدم وجود ميثاق شرف وطني للقبائل، كما تحاول بعض المنظمات الدولية تصويرها للمجتمع الدولي من خلال مؤتمر جنيف. فالقبيلة جزء أصيل من التكوين الاجتماعي والتاريخي للمجتمعات.

المشكلة الحقيقية اليوم هي تحويل القبيلة من رابطة اجتماعية إلى مشروع سياسي، ومن وسيلة للتكافل الاجتماعي إلى أداة للاستحواذ على السلطة.

ولكي لا تفقد القبيلة مضمونها، نستذكر تعريف ابن خلدون لها في مقدمته، حيث قال: *"العصبية هي سر بقاء القبيلة، فإذا ذهبت العصبية ذهبت القبيلة وإن بقي النسب"*.

وما شهدناه في مؤتمر جنيف هو انحلال أخلاقي لبعض من ذهب لتمثيل القبيلة وهو لا ينتمي لها أصلاً. صور سيلفي مع السيدات لا تتناسب مع الأعراف القبلية ولا مع العادات والتقاليد الاجتماعية التي ورثناها. لقد أسقطوا العصبية والحمية القبلية في جنيف، عبر ميثاق شرف لا أصل له في القبيلة.

لذا نقول لهم: إن القبائل لا تحتاج إلى ميثاق شرف دولي. ميثاق شرفنا هو ما ورثناه عن أجدادنا من عصبية وحمية وتراحم وتكافل، ولا نحتاج إلى من يخطه لنا في جنيف. ولسنا بحاجة إلى من يمثلنا في مؤتمرات ندرك أين تصب توجهاتها.

ما حصل في جنيف مسرحية هزيلة قام بتمثيلها أصحاب الدفع المسبق، لا علاقة لهم بالقبيلة ولا بمعاناتها.

وإذا كان لا بد من صياغة ميثاق شرف قبلي، فليكن في أبين أو شبوة أو مأرب أو حضرموت، لا أن يكون خارج النطاق الجغرافي للقبائل.

لذا نقول للمتسلقين باسم القبائل: إن المشايخ والأعيان الباقين على الأرض هم من يمثلون القبائل، لا من يسكن في فنادق الرياض وتركيا ومصر. الشيخ الحقيقي من يعيش بين أوساط رعيته ليتلمس معاناتهم، لا من يترزق باسم معاناتهم وآلامهم.

من هنا ندرك بأن الميثاق ميثاق سياسي لا قبلي، وأن العصبية التي تحدث عنها ابن خلدون قد ماتت في صالات جنيف، وبقي النسب معلقاً على جدران الفنادق.