فقدان الحاضنة(1).. حين تتمزق عباءة الثقة
المشكلة في اليمن اليوم ليست مجرد أن طرفًا يقاتل طرفًا آخر، ولا أن الصراع يدور بين مشاريع سياسية متنافسة، بل إن المشكلة الأعمق أن الأطراف المتحاربة، على اختلاف شعاراتها ومناطق سيطرتها، أخذت تفقد الحاضنة الشعبية التي يفترض أن تستمد منها قوتها وشرعيتها.
لا أتحدث عن طرف بعينه، ولا أحمّل جهة واحدة مسؤولية ما وصلنا إليه، بل أتحدث عن واقع يتكرر، بدرجات وصور مختلفة، في مناطق سيطرة مختلف الأطراف. فلو أُجري استطلاع رأي مستقل ونزيه، بعيدًا عن الخوف والمجاملة والضغوط، فقد تكشف النتائج عن حجم التذمر الشعبي، وعن اتساع الفجوة بين الناس ومن يتحدثون باسمهم.
الحاضنة الشعبية ليست مجرد جمهور يرفع الشعارات، ولا حشود تظهر في المناسبات، ولا أرقام تُعلن في المهرجانات. الحاضنة الحقيقية هي ثقة الناس، وشعورهم بأن من يتصدر المشهد يحميهم، ويحفظ كرامتهم، ويقف إلى جانبهم في أوقات الشدة. لقد كانت بين المجتمع وكثير من القيادات علاقة ثقة وقرب وتضامن، أشبه بعباءة حميمة تستر العيوب وتمنح الفرصة للأمل والإصلاح. كان المواطن يتحمل الصعوبات لأنه يعتقد أن التضحيات لها معنى، وأن من يقودونه يشعرون بما يشعر به. لكن الممارسات السيئة والفساد والإهمال بددت هذه الثقة، حتى باتت تلك العباءة تتمزق، ولم يعد الخطاب وحده قادرًا على ترميمها.
فإذا شعر المواطن أن من يفترض به أن ينصفه أصبح مصدرًا لمعاناته، فإن الثقة تبدأ في الانهيار، مهما كانت الشعارات جذابة أو الخطب مؤثرة. وحين تتحول العلاقة بين السلطة والمجتمع إلى علاقة جباية وخوف ومطالبات لا تنتهي، تتراجع قيمة الشعارات، وتفقد الوعود قدرتها على الإقناع، ويصبح المواطن أكثر اهتمامًا بما يراه في حياته اليومية من اهتمامه بما يسمعه في المنابر.
وصلنا إلى هذه الحال لأن أطرافًا رفعت في بداياتها شعارات التحرير والإصلاح واستعادة الدولة والتغيير، لكنها، مع مرور الوقت، انشغلت بتحصيل الأموال وتوسيع النفوذ أكثر من انشغالها ببناء مؤسسات الدولة وخدمة المواطنين. فتحولت الجبايات، في نظر كثير من الناس، إلى عنوان يومي للسلطة، وصار المواطن يدفع في الطريق والسوق، ويتحمل أعباء إضافية في التعليم والصحة والخدمات، تحت مسميات مختلفة، فيما تتراجع قدرته على توفير أبسط متطلبات الحياة. لقد قيل للناس إن التضحيات ستقود إلى دولة عادلة، وإن المعاناة مؤقتة، وإن القادم سيكون أفضل. لكن المواطن الذي انتظر تحسن أحواله وجد نفسه أمام أعباء متزايدة، وخدمات متدهورة، وحقوق مؤجلة، وفساد لا يجد من يردعه.
فالمواطن لا يريد خطابًا جديدًا بقدر ما يريد راتبًا يصل في موعده، ودواءً يجده حين يمرض، ومدرسة يتعلم فيها أبناؤه، وطريقًا آمنًا، وخدمات لا تستنزف دخله، ومسؤولًا يستطيع الوصول إليه ومساءلته. يريد أن يشعر بأن الدولة موجودة من أجله، لا أنه موجود لتمويل سلطات لا تنتهي مطالبها. ولا يعني ذلك أن جميع الأطراف متطابقة في كل ممارساتها أو أنها تتحمل المسؤولية بالقدر نفسه، لكن أي طرف يريد الاحتفاظ بثقة الناس عليه أن يراجع أداءه، وأن يدرك أن المعاناة التي يعيشها المواطن لا تبررها الشعارات، وأن أخطاء الآخرين لا تمنحه حصانة.
يتبع في المقال القادم: النفور بدل الاختيار



