تعز.. المدينة المحاصرة التي تقاتل بصدور عارية
منذ أكثر من عشر سنوات، وتعز تعيش تحت حصار خانق لم تعرف له مدينة يمنية مثيلًا. حصار لم يكن مجرد إغلاق للطرقات، بل كان استراتيجية حرب متكاملة، هدفها كسر إرادة مدينة بأكملها، وتجويعها، وعزلها عن محيطها، ثم إسقاطها من الداخل.
بدأ الحصار الحوثي على تعز في عام 2015، عندما أحكمت جماعة الحوثي سيطرتها على المنافذ الرئيسية للمدينة، من الشرق والشمال والغرب. أُغلقت الطرق المؤدية إلى عدن ولحج والحديدة وإب، وتحولت الرحلة التي كانت تستغرق نصف ساعة إلى رحلة موت تستغرق ثماني ساعات عبر طرق جبلية وعرة وغير آمنة. لم يكن ذلك إجراءً عسكريًا عابرًا، بل كان حصارًا ممنهجًا يستهدف المدنيين قبل المقاتلين.
في تعز، لم يعد الحصار يعني فقط صعوبة التنقل. بل يعني منع الغذاء والدواء والمياه والمشتقات النفطية. يعني أن مريض الفشل الكلوي قد يموت لأنه لم يجد طريقًا إلى المستشفى، وأن الجريح قد ينزف حتى الموت لأن سيارة الإسعاف لا تستطيع العبور. يعني أن الطالب لا يصل إلى جامعته، وأن المعلم لا يصل إلى مدرسته، وأن المدينة التي كانت عاصمة الثقافة اليمنية تحولت إلى سجن كبير مفتوح على الجبال.
وعلى الجبهات، كان المشهد أكثر قسوة. فبينما كان الحوثيون يحصلون على السلاح الثقيل، والصواريخ، والطائرات المسيرة، ويتلقون دعمًا متواصلًا من إيران، كان مقاتلو تعز يقاتلون بأسلحة خفيفة ومتوسطة قديمة، وبذخائر شحيحة، وبإمكانيات لا تكاد تكفي للصمود، فكيف بالتحرير؟
لقد صمدت تعز ليس لأنها كانت الأقوى عسكريًا، بل لأنها كانت الأقوى إرادة. صمد شبابها في جبهات الضباب وجبل صبر والكدحة والمخا الغربي والشرقي، بأسلحة لا تقارن بما يمتلكه العدو. كان المقاتل الواحد في تعز يحسب كل رصاصة، ويقاتل في ظروف لا يملك فيها حتى ما يكفي من الغذاء والماء، بينما كان الحوثي يقصف الأحياء السكنية بالمدفعية الثقيلة والصواريخ دون تمييز.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة هي أن الإرادة وحدها لا تكفي. فالحرب في النهاية معادلة نار وعتاد. وانعدام السلاح النوعي لدى مقاتلي تعز، وغياب الدعم العسكري الحقيقي والمنتظم، يجعل المدينة اليوم أمام خطر حقيقي.
إذا استمر هذا الوضع، فإن سقوط تعز بيد الحوثيين لن يكون مجرد احتمال بعيد، بل سيكون نتيجة منطقية لمعادلة غير عادلة: طرف محاصر يحصل على كل أنواع الأسلحة، وطرف محاصَر يُترك ليقاتل بصدور عارية.
تعز لا تطلب المستحيل. هي لا تطلب أن يقاتل أحد بدلًا عنها. فقد أثبتت على مدى سنوات أنها قادرة على القتال والتضحية. لكنها تطلب ما هو حقها الطبيعي في أي معركة: سلاح نوعي، وذخائر كافية، ودعم لوجستي، وغطاء سياسي وعسكري يتناسب مع حجم التهديد الذي تواجهه.
إن ترك تعز بهذا الشكل هو ترك للجبهة الأهم في اليمن. فتعز ليست مدينة هامشية، بل هي قلب اليمن، وبوابته إلى الجنوب والشمال معًا. سقوطها لا يعني سقوط مدينة فقط، بل يعني انهيار خط الدفاع الأول عن عدن ولحج والضالع، ويعني فتح الطريق أمام الحوثيين للتمدد جنوبًا، ويعني إحكام السيطرة على أكبر كتلة سكانية في اليمن.
ومن هنا، فإن التحذير واضح: إن لم تحصل تعز على دعم عسكري عاجل وحقيقي، فإننا سنكون أمام كارثة عسكرية وإنسانية وسياسية. كارثة سيدفع ثمنها المدنيون أولًا، الذين سيواجهون انتقامًا وحشيًا، وستدفع ثمنها اليمن كلها لاحقًا.
تعز صمدت عشر سنوات رغم الحصار والجوع ونقص السلاح. لكن الصمود له حدود، والرجال لهم طاقة. وقد حان الوقت لأن يتحول الدعم من بيانات التضامن إلى سلاح حقيقي يصل إلى الجبهات، قبل أن نستيقظ على خبر سقوط المدينة التي لم تسقط رغم كل شيء.



