"لن أترك لك حتى قبرًا".. تهديدات حـ..وثية جديدة تطارد مالك "يمن ديجيتال" بعد مصادرة مؤسسته

بلاغ جديد يتحدث عن تهديدات بمصادرة ممتلكات طه المعمري في بني عمر.. ونقابة الصحفيين تطالب بتحقيق مستقل وإلغاء حكم الإعدام وإعادة ممتلكاته
لم تنتهِ قصة طه أحمد راشد المعمري عند مصادرة شركته الإعلامية في صنعاء، ولا عند الحكم الصادر بحقه بالإعدام ومصادرة أمواله وممتلكاته، بحسب ما وثقته نقابة الصحفيين اليمنيين. ففي 22 أكتوبر الجاري، تلقى المعمري رسائل عبر "واتساب" يقول إنها تضمنت تهديدًا جديدًا، هذه المرة باستهداف ممتلكاته وأسرته في مسقط رأسه بمنطقة بني عمر في محافظة تعز.
إحدى الرسائل، وفق البلاغ الذي قدمه المعمري إلى نقابة الصحفيين ومنظمات حقوقية في 28 أكتوبر، تقول: "سيتم بحول الله مصادرة كل ما تملك من السعودية". وفي رسالة أخرى: "ما أترك لك داخل بني عمر حتى قبر تدخل داخله".
بالنسبة إلى المعمري، لا تبدو الرسائل حادثة منفصلة عن المسار الذي بدأ، بحسب روايته، باقتحام شركته ومصادرتها في صنعاء في سبتمبر 2024. فهو يتهم الشخص الذي تلقى منه الرسائل، سام محمد عبدالحق القاضي، بأنه كان مندوبًا لما يسمى "الحارس القضائي" والمشرف على عملية المصادرة، قبل أن يتولى لاحقًا منصبًا في "جهاز الأمن الوقائي".
هذه الرواية لم تتحول بعد إلى نتيجة تحقيق مستقل، ولا يمكن الجزم من مضمون الرسائل وحده بهوية مرسلها أو بالجهات التي تقف وراءه. لكن البلاغ الجديد يفتح من جديد ملفًا أوسع: ماذا يحدث عندما تتجاوز الملاحقة مؤسسة إعلامية إلى مالكها، ثم إلى ممتلكاته الخاصة وأسرته ومحيطه الاجتماعي؟
تهديد في بني عمر
يقول المعمري في بلاغه إن الرسائل التي وصلته تضمنت معلومات دقيقة عن مكان وجوده وممتلكاته في بني عمر، وإنها تكشف، بحسب تقديره، معرفة من يقف وراءها بتفاصيل لا يعرفها سوى أشخاص قريبين من نشاطه وحياته الخاصة.
ويشير في البلاغ إلى موظف سابق في شركته، كان يشغل منصب مدير الحسابات، ويتهمه بتزويد جهات أمنية بمعلومات عنه وعن أسرته، وبالتحريض على استهداف ممتلكاته.
كما يقول إن تحريات فنية وميدانية أجراها خلصت إلى تحديد هوية صاحب الرقم المستخدم في التهديدات.
غير أن هذه الجزئية تحديدًا تحتاج إلى تحقيق فني مستقل، خصوصًا أن إثبات ملكية رقم هاتف أو استخدامه في إرسال رسائل لا يثبت وحده الجهة التي تقف خلف الرسائل أو طبيعة العلاقة بين المرسل وأي جهة أمنية.
ويطالب المعمري في بلاغه بتوثيق الواقعة باعتبارها تهديدًا مباشرًا له ولأسرته وممتلكاته، وتحميل المسؤولية لأي جهة يثبت تورطها في التهديد أو التحريض أو المصادرة.
النقابة: التهديد امتداد لقضية المصادرة
بعد يوم واحد من البلاغ، أصدرت نقابة الصحفيين اليمنيين بيانًا قالت فيه إنها تلقت بلاغ المعمري بشأن التهديدات التي تلقاها، والتي تضمنت ــ بحسب النقابة ــ التهديد باستهداف ممتلكاته في بني عمر والإبلاغ عنها تمهيدًا لمصادرتها.
وربطت النقابة بين التهديدات الجديدة وبين قضية المعمري السابقة، موضحة أن الشخص الذي ورد اسمه في البلاغ "سبق أن كان حارسًا قضائيًا على ممتلكات الزميل في صنعاء"، التي قالت إن جماعة الحوثي صادرتها، بالتزامن مع صدور حكم بالإعدام بحقه.
وطالبت النقابة باحترام حقوق المعمري وسلامته وسلامة أسرته، ورفضت استخدام النفوذ أو المعلومات الخاصة للإضرار بالأشخاص وممتلكاتهم.
الأهم في بيان النقابة أنها لم تتعامل مع القضية باعتبارها خلافًا خاصًا على ملكية أو أموال، بل وضعتها في سياق العمل الإعلامي، معتبرة أن استغلال السلطة لترهيب عامل في المجال الإعلامي والاستيلاء على ممتلكاته المهنية والخاصة واستمرار تهديده «يمثل شكلًا خطيرًا من أشكال الترويع» الذي يمتد أثره إلى بيئة العمل والاستثمار في القطاع الإعلامي.
وطالبت النقابة بإلغاء الإجراءات المتخذة بحق المعمري، بما فيها الإجراءات القضائية وحكم الإعدام، وإعادة ممتلكاته المصادرة، وفتح تحقيق مستقل في وقائع التهديد والاستيلاء على الممتلكات ومحاسبة من تثبت مسؤوليته.
من المؤسسة إلى العاملين فيها
قضية "يمن ديجيتال ميديا" ليست جديدة على أجندة نقابة الصحفيين.
ففي مارس 2025، قالت النقابة إنها تلقت بلاغًا من المعمري بشأن رفض المحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء استئناف حكم صادر بحقه بالإعدام ومصادرة أمواله، قبل أن يصدر حكم جديد، بحسب النقابة، تضمن اتهامات أخرى وإيعازًا لسلطة الأمر الواقع بتشغيل شركاته.
وفي البيان نفسه، قالت النقابة إن 14 صحفيًا ومصورًا وعاملًا في شركات المعمري تعرضوا للاتهام، مع توجه لملاحقتهم ومحاكمتهم غيابيًا، واعتبرت ما يحدث "ترويعا للعمل الإعلامي" والاستحواذ على استثمارات المعمري الإعلامية.
هنا تتسع القضية من مصير مالك شركة إلى مصير مؤسسة وموظفين يعملون فيها.
فالمؤسسة الإعلامية ليست مجرد مبنى أو معدات أو حسابات مصرفية. هي غرفة أخبار، وصحفيون، ومصادر، وأرشيف، وشبكة من العلاقات المهنية، وقدرة على إنتاج ونشر المعلومات.
وعندما تصبح ملكية المؤسسة نفسها محل مصادرة، ويلاحق العاملون فيها أو يواجهون اتهامات بسبب عملهم، فإن الخطر لا يعود مقتصرًا على صاحبها، بل يصل إلى قدرة الصحافة على الاستمرار.
المصادرة كأداة لإخضاع الإعلام
في حالة "يمن ديجيتال"، لا يمكن فصل مسار المصادرة عن المناخ الأوسع الذي تعمل فيه وسائل الإعلام اليمنية.
فمنذ اندلاع الحرب، تعرض الصحفيون والمؤسسات الإعلامية في مختلف مناطق اليمن لمجموعة واسعة من الانتهاكات، من القتل والاختطاف والاحتجاز والتعذيب والتهديد، إلى المحاكمات والحجب والمضايقات والضغوط الاقتصادية.
وتشير نقابة الصحفيين اليمنيين إلى سجل طويل من الانتهاكات التي طالت الصحفيين والحريات الإعلامية خلال سنوات الحرب، فيما وثقت في بياناتها الأخيرة استمرار الاعتقالات والتهديدات والملاحقات القضائية والاستهداف المهني.
وتأتي قضية المعمري في هذا السياق تحديدًا: مؤسسة إعلامية تصادر، ومالكها يواجه حكمًا بالإعدام، وعاملون فيها يدخلون دائرة الاتهام، ثم تصل التهديدات ــ وفق البلاغ الجديد ــ إلى ممتلكات المالك خارج صنعاء.
اليمن في المرتبة 164 عالميًا
الصورة التي ترسمها هذه الوقائع تتقاطع مع المؤشرات الدولية بشأن وضع الصحافة في اليمن.
ففي مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، وضعت منظمة "مراسلون بلا حدود" اليمن في المرتبة 164 من أصل 180 دولة وإقليمًا، بدرجة 27.89 نقطة، مقارنة بالمرتبة 154 في مؤشر 2025. كما جاء اليمن في المرتبة 171 من أصل 180 في المؤشر الأمني، وهو ما يعكس مستوى الخطر الذي تواجهه ممارسة الصحافة في البلاد.
وتقول المنظمة إن المشهد الإعلامي اليمني شديد الاستقطاب، وإن وسائل الإعلام والصحفيين يواجهون ضغوطًا للتوافق مع القوى المسيطرة في مناطق نفوذها، فيما يمكن أن يؤدي نشر مواد تنتقد السلطات أو الجماعات المسيطرة إلى المراقبة والاعتقال والملاحقة.
وفي 2025، حذرت "مراسلون بلا حدود" من موجة جديدة من الاعتقالات والاختطافات التي طالت صحفيين في مناطق مختلفة من اليمن، وقالت إن تسعة صحفيين كانوا محتجزين في البلاد وقت صدور بيانها، ثمانية منهم لدى جماعة الحوثي. كما تحدثت المنظمة عن استخدام المنظومة القانونية في بعض الحالات كأداة للقمع والملاحقة القضائية.
وفي يونيو 2026، أكدت المنظمة مجددًا أن اليمن من أكثر البلدان خطورة على الصحفيين، وربطت ذلك باستمرار العنف والإفلات من العقاب والتهديدات التي تطال العاملين في الإعلام.
حين يتحول الخوف إلى رقابة ذاتية
الأثر الأخطر لهذه البيئة لا يظهر دائمًا في عدد الصحفيين المعتقلين أو المؤسسات المغلقة.
يظهر أيضًا في ما لا يُنشر.
صحفي يعرف أن تقريرًا نقديًا قد يجلب له استدعاءً، أو اعتقالًا، أو تهديدًا، أو ملاحقة قضائية، أو قد يعرض المؤسسة التي يعمل فيها للمصادرة، قد يختار عدم نشره.
وحين يصبح ثمن العمل الصحفي محتملًا على مستوى الوظيفة والممتلكات والأسرة، فإن الخوف يتحول تدريجيًا إلى رقابة ذاتية، وتتحول الرقابة الذاتية إلى بيئة إعلامية أقل قدرة على مساءلة السلطات والقوى النافذة.
وهذا تحديدًا ما يجعل قضية «يمن ديجيتال» تتجاوز أطرافها المباشرة.
من "الحارس القضائي" إلى مصادرة الحق في العمل
تثير قضية المعمري سؤالًا آخر يتعلق بالدور الذي لعبته آلية "الحارس القضائي" في إدارة الممتلكات المصادرة.
فبحسب ما أوردته نقابة الصحفيين في بياناتها، لم تقتصر القضية على صدور حكم بحق المعمري، بل ارتبطت أيضًا بالاستحواذ على استثماراته الإعلامية وتشغيل شركاته وملاحقة عدد من العاملين فيها.
أما البلاغ الأخير، فيضيف عنصرًا جديدًا إلى المشهد: شخص يعرّفه المعمري بأنه كان مرتبطًا بإجراءات المصادرة في صنعاء يظهر، بحسب البلاغ، في سياق تهديدات جديدة تستهدف ممتلكات في بني عمر.
إذا أثبت التحقيق صحة هذه الوقائع، فإن السؤال لن يكون فقط: من أرسل الرسائل؟
بل أيضًا: كيف انتقلت المعلومات المتعلقة بممتلكات المعمري من نطاق القضية الإعلامية والقضائية في صنعاء إلى التهديد باستهداف ممتلكاته الخاصة في منطقة أخرى؟ ومن يملك القدرة على تحويل التهديد إلى مصادرة فعلية؟
هذه أسئلة لا يجيب عنها البلاغ وحده، وإنما تحتاج إلى تحقيق مستقل، وفحص للأدلة الرقمية، وتتبع لسلسلة القرارات والإجراءات المتعلقة بممتلكات المعمري.
القضية في اختبارها الأوسع
لا يتعلق الأمر في النهاية بشخص واحد أو شركة واحدة.
فإذا كان صاحب مؤسسة إعلامية يستطيع أن يفقد شركته بسبب عمله أو نشاطه، ثم يواجه حكمًا بالإعدام، ثم تمتد التهديدات إلى ممتلكاته الخاصة، فإن الرسالة التي تصل إلى بقية الصحفيين والمؤسسات لا تحتاج إلى أن تُكتب في بيان.
تكفي سابقة واحدة.
وتكمن خطورة ذلك في أن الإعلام لا يعمل في فراغ. كلما تقلص هامش المؤسسات المستقلة، أصبح الوصول إلى المعلومات أكثر صعوبة، وازدادت قدرة القوى المسيطرة على فرض روايتها، وتراجعت قدرة الصحافة على مساءلة أصحاب النفوذ.
وهذا ما يفسر أهمية أن تتحول قضية «يمن ديجيتال» من ملف فردي إلى قضية حقوقية وإعلامية تستحق التحقيق والتوثيق والمتابعة.
"يمن ديجيتال".. ملف مفتوح
البلاغ الذي قدمه طه المعمري في 28 أكتوبر لا يقدم وحده حكمًا نهائيًا بشأن الجهة التي تقف خلف التهديدات الأخيرة، ولا يثبت بمفرده مسؤولية الأشخاص الذين وردت أسماؤهم فيه.
لكن وضعه إلى جانب بيانات نقابة الصحفيين السابقة، والوقائع التي أوردتها بشأن مصادرة المؤسسة والملاحقات التي طالت العاملين فيها، يجعل من الضروري التعامل معه بوصفه حلقة جديدة في ملف يحتاج إلى تحقيق مستقل وشامل.
وتطالب النقابة بالفعل بهذا التحقيق، إلى جانب إلغاء الإجراءات القضائية وإعادة الممتلكات المصادرة ومحاسبة المسؤولين عن التهديدات والاستيلاء على الممتلكات.
2014 انتهاكًا خلال عقد الحرب
وتأتي قضية المعمري في سياق أوسع بكثير من التدهور الذي شهدته حرية الصحافة في اليمن منذ اندلاع الحرب.
ففي تقرير أطلقته نقابة الصحفيين اليمنيين بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحفيين في مايو 2025، وثقت النقابة 2014 حالة انتهاك طالت الحريات الإعلامية خلال السنوات العشر الأولى من الحرب، منذ 2015 وحتى مطلع 2025.
وتشير بيانات التقرير إلى أن الانتهاكات لم تكن محصورة في القتل والاعتقال، بل شملت طيفًا واسعًا من الممارسات التي تضرب قدرة المؤسسات والصحفيين على العمل، بينها التهديد، والاختطاف، والمحاكمات، والمنع، والاعتداءات، والمصادرة.
أما في عام 2024 وحده، فقد وثقت النقابة 101 حالة انتهاك للحريات الصحفية.
وفي تقريرها السنوي عن 2025، قالت النقابة إنها وثقت 127 انتهاكًا طال الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام خلال العام، في ظل تدهور متواصل في الظروف الاقتصادية والمهنية واختلالات في مسار التقاضي المتعلق بقضايا الصحافة.
وتظهر هذه الأرقام أن الضغط على الصحافة اليمنية لا يأخذ شكلًا واحدًا؛ فإلى جانب الخطر المباشر على حياة الصحفي، توجد أدوات أخرى يمكن أن تدفع المؤسسات إلى الإغلاق أو الصمت، مثل المصادرة، والتهديد، والملاحقة القضائية، والاعتقال، والحجب، والضغوط الاقتصادية.
أما المؤشرات الدولية، فتضع القضية داخل صورة أكثر قتامة: اليمن في المرتبة 164 عالميًا في حرية الصحافة، والمرتبة 171 في المؤشر الأمني وفق تصنيف "مراسلون بلا حدود" لعام 2026.
وبين تهديد يقول صاحبه، بحسب البلاغ، "حتى قبر تدخل فيه"، ومؤسسة إعلامية تقول النقابة إنها صودرت، وحكم بالإعدام، وعاملين دخلوا دائرة الملاحقة، يقف سؤال أكبر من قضية طه المعمري نفسه:
ماذا يبقى من حرية الصحافة عندما لا يعود الصحفي مهددًا بسبب ما يكتب فقط، بل بسبب المؤسسة التي يعمل فيها، والمال الذي يملك، والبيت الذي ينتمي إليه؟



