لا نريد زراعة ألف شجرة لننساها
مبادرة تطوعية تعيد صياغة علاقة الإنسان بالأرض في شبوة

في محافظة تتراجع فيها الأشجار أمام الاحتطاب والرعي والجفاف، وتتسع معها مساحات الأرض العارية، اختارت الناشطة إنتصار صائل أن تبدأ من النقطة التي تبدو أبسط: شجرة.
في نهاية أكتوبر 2026، أطلقت صائل مبادرة «شبوة خضراء»، كمشروع مجتمعي تطوعي يستهدف استعادة الغطاء النباتي الطبيعي في محافظة شبوة، من خلال إكثار الأشجار والنباتات المحلية، وحماية نموها الطبيعي، وإشراك المجتمعات المحلية في رعايتها ومتابعتها.
لا تنطلق المبادرة من فكرة التشجير بوصفه مجرد زراعة شتلات، بل من تصور أوسع لاستعادة علاقة المجتمع بموارده الطبيعية، وربط حماية البيئة بالمياه والزراعة والرعي والإنتاج ومعيشة السكان.
تقول صائل إن اهتمامها بالزراعة والبيئة والمياه قديم، وإنها سبق أن تناولت قضايا التصحر والسدود وحصاد مياه الأمطار وإدارة الموارد الطبيعية، باعتبارها قضايا مترابطة ضمن رؤية تنموية أوسع.
من اليأس إلى المحاولة
جاءت فكرة المبادرة، بحسب صائل، من ملاحظة التراجع المستمر في أعداد الأشجار، ومن نقاشات مع الأهالي حول الاحتطاب والرعي والجفاف وغيرها من العوامل التي تحتاج إلى دراسة أكثر انتظاماً.
لكن ما لفت انتباهها لم يكن تراجع الغطاء النباتي وحده، بل حالة اليأس التي ترافق الحديث عن أي محاولة لمعالجة المشكلة، تحت حجة أن مبادرات سابقة حاولت ولم تنجح.
وترى صائل أن تعثر بعض التجارب السابقة، خصوصاً نتيجة ضعف المتابعة والاستدامة، لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للتوقف، بل إلى فرصة للتعلم وتجنب الأخطاء نفسها.
وتقوم فلسفة «شبوة خضراء» على أن استعادة الغطاء النباتي لن تكون حملة قصيرة تنتهي بانتهاء موسم التشجير، وإنما عملية تراكمية طويلة تتطلب متابعة لما يحدث بعد غرس الأشجار، ومعرفة معدلات بقائها وأسباب نفوقها، وتطوير وسائل الحماية والرعاية وفق النتائج الميدانية.
العلوب أولاً.. ثم الواحات والغطاء الصحراوي
تبدأ المبادرة مرحلتها الأولى من العلوب، مع التركيز على إكثار السدر المحلي من بذوره وحماية نموه الطبيعي.
وتولي المبادرة أهمية خاصة للحفاظ على الأصول الوراثية للسدر المحلي وعدم استبداله بصورة عشوائية بأصناف مستوردة، نظراً إلى ارتباطه بالنظام البيئي المحلي، ومراعي النحل وإنتاج عسل شبوة.
بعد ذلك، تستهدف المبادرة العمل على استعادة الواحات وإحياء النخيل، بالتعاون مع المختصين ومكتب الزراعة، قبل الانتقال إلى مرحلة استعادة أجزاء من الغطاء النباتي الصحراوي، بما في ذلك الغضا والسمر والنباتات الرعوية.
ويترافق ذلك مع البحث عن بدائل أكثر استدامة للاحتطاب، باعتبار أن حماية الأشجار لا يمكن فصلها عن احتياجات السكان الاقتصادية والمعيشية.
وتؤكد صائل أن هذه المراحل ليست سقفاً نهائياً للمبادرة، وإنما نقطة بداية قابلة للتوسع وإضافة مراحل وأفكار وأدوات جديدة وفق ما تكشفه التجربة على الأرض.
جمع المعلومات قبل زراعة الشتلات
لا تبدأ المبادرة، في مرحلتها الحالية، من توزيع الشتلات، وإنما من جمع المعلومات.
وتعمل فرق المبادرة على تشكيل مجموعات تطوعية تضم خمسة أشخاص على الأقل في كل مديرية، على أن يبدأ النشاط من المديريات والمناطق الأكثر جاهزية.
وتشمل الأعمال الأولية دراسة انتشار النباتات المحلية، ومنها السيسبان، وتحديد المواقع الملائمة للتشجير، ومصادر المياه، واحتياجات الشتلات والبذور، ووسائل حماية النباتات بأقل تكلفة ممكنة.
كما تسعى المبادرة إلى الاستفادة من الدراسات والخبرات المحلية والدولية المتعلقة بحماية النمو الطبيعي، وحصاد مياه الأمطار، وإدارة الموارد الطبيعية في البيئات الجافة وشبه الجافة.
وتقول صائل إن المبادرة تعتمد في بدايتها على العمل التطوعي والموارد المحلية ومساهمات الأهالي، من دون انتظار توفر تمويل خارجي حتى تبدأ.
«لا نريد زراعة ألف شجرة ثم ننساها»
تضع المبادرة الاستدامة في قلب تصورها للعمل.
فالمعيار بالنسبة إلى صائل ليس عدد الأشجار التي ستُزرع، وإنما عدد الأشجار التي ستبقى على قيد الحياة، وما إذا كانت المجتمعات المحلية قادرة على مواصلة رعايتها بعد انتهاء أي حملة أو مشروع.
ولهذا تتضمن الفكرة توثيق النتائج والتكاليف ميدانياً، وقياس معدلات بقاء الأشجار وأسباب نفوقها، والاستفادة، قدر الإمكان، من صور الأقمار الصناعية في متابعة التغيرات في الغطاء النباتي.
كما تسعى المبادرة إلى بناء مشاتل محلية، وتشكيل فرق قادرة على الاستمرار، وتوفير مصادر محلية للبذور، ووضع آليات للمتابعة تتيح استمرار العمل حتى في حال غياب مؤسسي المبادرة.
وتختصر صائل الفكرة بعبارة: «لا نريد أن نزرع ألف شجرة ثم ننساها».
التمويل لاحقاً.. والشفافية من البداية
لا تنظر «شبوة خضراء» إلى التمويل باعتباره شرطاً للانطلاق، لكنها تتوقع أن تؤدي النتائج الميدانية إلى جذب اهتمام السلطات المحلية والمركزية والمنظمات والجهات المهتمة بالبيئة والتنمية.
وتقول صائل إن المبادرة ستبدأ بما هو متاح محلياً، بالتوازي مع توسيع الشراكات تدريجياً، خصوصاً أن بعض مراحل المشروع ستحتاج إلى خبرات متخصصة وتمويل أكبر وتدخلاً من الجهات الحكومية.
وفي حال تلقت المبادرة تبرعات، تؤكد صائل أن إدارتها ستخضع للشفافية المالية، من خلال نشر كشوفات بالمبالغ المستلمة والمنفقة وفواتيرها، مع احترام خصوصية المتبرعين، إلى جانب إعلان نتائج التجارب وإخفاقاتها، وليس النجاحات فقط.
«شجرة بعد شجرة.. وقرية بعد قرية»
لا تقدم «شبوة خضراء» وعداً بتحويل المحافظة إلى غابة خلال عام أو عامين.
وتقول صائل إن استعادة الغطاء النباتي عملية طويلة، وإن التعامل معها يجب أن يبدأ من الممكن والمتاح، ثم البناء عليه تدريجياً.
«ما حد يأكل غداءه في لقمة واحدة»، تقول صائل، مشبهة المشروع بعملية تراكمية تبدأ بشجرة ثم أخرى، وقرية تلو أخرى، حتى تتشكل الصورة الأكبر.
وتقر بأن بعض الأعمال تحتاج إلى تمويل وخبراء وتدخل حكومي، لكنها ترى أن محدودية الإمكانات ليست مبرراً لتعطيل ما يمكن فعله في الوقت الراهن.
وترى صائل أن استعادة الأرض ليست قضية بيئية فقط، بل مسؤولية تجاه المستقبل، وتربط ذلك بذاكرة ضحايا المحافظة وشهدائها، قائلة إن البناء والنماء يمثلان، بالنسبة إليها، شكلاً من أشكال الوفاء لمن دفعوا حياتهم ثمناً لأمن المجتمع.
من مبادرة فردية إلى عمل مجتمعي
تراهن «شبوة خضراء» في النهاية على تحويل المشروع من مبادرة مرتبطة بشخص إلى عمل مجتمعي مستمر.
وتدعو المبادرة الشباب والمزارعين والنحالين والمهندسين وأصحاب الخبرة إلى المشاركة، سواء عبر التطوع الميداني، أو توفير البذور والشتلات، أو إتاحة الأراضي، أو المساعدة في التوعية والمتابعة.
وتقول صائل إن بإمكان الراغبين تشكيل فرق في مديرياتهم أو الانضمام إلى فرق قائمة.
أما الطموح الأبعد، بحسب صاحبة المبادرة، فهو ألا تبقى «شبوة خضراء» مرتبطة باسمها، بل أن تتحول إلى منظومة عمل مجتمعي تترك وراءها أشجاراً حية، ومشاتل، ومصادر بذور، وخبرات محلية، وآليات للمتابعة، بحيث لا تضطر الأجيال القادمة إلى البدء من الصفر في كل مرة.
وفي محافظة تواجه بيئة قاسية وضغوطاً متزايدة على مواردها الطبيعية، تبدو المعركة التي تقترحها المبادرة طويلة؛ لكنها تبدأ، كما تقول صائل، بما يمكن فعله الآن: شجرة بعد شجرة، وقرية بعد قرية.



