الخراب نفسه بأسماء جديدة
دخل يحيى بن الحسين اليمن أواخر القرن الثالث الهجري ومعه نظرية في الحكم تعرف صاحب الحق قبل أن تعرف شكل الدولة. النسب يسمّي المرشح، والخروج بالسلاح يثبت أحقيته، والتاريخ يحفظ أسماء من قاتلوا باسم هذا الحق. صار الرجل يُعرف بالهادي. منح الإمامة لسلالة بعينها وربط الوصول إليها بحمل السيف ومنازعة السلطة القائمة. الفكرة كانت تعرف وجهتها، أما البلاد التي ستمشي فيها فتعلّمت الطريق من الحروب.
يلخّص نشوان الحميري الحكاية بجملة "ليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية". كتبها وهو يرى الجارودية تتسع في السياسة اليمنية. قُصرت الإمامة على البطنين من ذرية الحسن والحسين، وصار الخروج المسلح برهان الاستحقاق. تحوّل سؤال شروط القيادة إلى سؤال عن سلالة، وأُوكل إثبات حق السلالة إلى السيف.
انقسمت الزيدية إلى صالحية وسليمانية وجارودية، واختلفت في الخلافة وشروط الإمامة، وبعض اجتهاداتها يتسع لمشاركة سياسية أوسع. غلب في اليمن أشدها تضييقاً، فدخل الحكم، ثم استعمل الحكم لتثبيت نفسه في وعي الناس ودينهم. السلطة تكتب روايتها عن التراث وتستخرج منها شهادة لنفسها.
مال الهادي إلى الجارودية وبنى مشروعه على النسب وواجب المطالبة. مع الوقت صارت الحرب قاضياً في الدعوى. المنتصر يحتج بنصره على استحقاقه، ويرى خصمه في النصر نفسه اغتصاباً للحق، ولكل تفسير مسلّحون يحملونه. تستلم اليمن الفاتورة مدناً تبدّل ولاءها وطرقاً تغلقها المعارك وموارد تذهب إلى إثبات شرعية الحاكم.
بلغة ماكس فيبر اجتمع نسب موروث وكاريزما دينية، وبقي انتقال السلطة بيد القوة. يستمد الإمام حقه من أصله ويثبت قدرته بالخروج، ثم يطلب من الناس الاعتراف بما انتهت إليه المعركة. إذا مات بدأ الامتحان من جديد. يرث الابن النسب ويُطالَب بإثبات أهليته، ويحمل الأخ الامتياز نفسه، أما ابن العم فيجد في شجرة العائلة ملف ترشح مكتمل الأوراق.
أنتجت المعادلة سوقاً مفتوحة للدعاوى. تعدد الأئمة في بعض المراحل وتنازعوا النفوذ بين صنعاء وشهارة وغيرهما، وحمل كل منهم حجته الدينية إلى ساحة القتال وعاد بحكاية نصر تُضاف إلى رصيده. صارت البلاد دفتر ملكية تتنازعه أيادٍ كثيرة. كل من حسم نزاعاً كتب اسمه على الصفحة وترك للورثة الطعن في الخط.
رأى ابن خلدون في العصبية قوة تبني الدول ثم تتحول إلى سبب للتنازع على السلطان، والتجربة الإمامية في اليمن تمد هذه الفكرة بمثال وافر. جمعت العصبية الأنصار حول الإمام، فلما رحل تنافس أبناؤه وأقاربه على الغنيمة. القرابة وسّعت دائرة المطالبين بالحكم. كل خلاف في الأسرة حوّل المناطق التابعة لها إلى ساحة تصفية حساب، والمتحاربون يواصلون الدعوة إلى استقرار الدولة.
تنازع أبناء الهادي وأحفاده الحكم مبكراً، وانتقلت الخصومات إلى فروع الأسر الإمامية التالية. في عهد شرف الدين وابنه المطهر، وفي نزاع المطهر مع إخوته، ظهر ما تفعله القرابة بالميراث السياسي. النسب الذي يمنح صاحبه حق المطالبة يمنح أقاربه الحق ذاته، فتغدو الأسرة الواحدة أعلم الناس بنقاط الضعف فيها.
عرف اليمنيون النتيجة في كل جولة. تتبدل أسماء المتنافسين وتنتقل الرايات بين المناطق وتُعاد صياغة التحالفات على قدر القوة، والدولة معلّقة بسؤال يعود مع كل انتقال للسلطة ويشغل النخبة أكثر من الإدارة والموارد وحياة السكان. تعيين صاحب الحق وظيفة دائمة، وحقوق الناس تنتظر موعداً شاغراً في جدول الأعمال.
حكمت اليمن دول خارج الصيغة الإمامية، من الصليحيين إلى الرسوليين والطاهريين، ولكل منها ترتيبات إدارية وسياسية رسمتها موارد عصرها. خاضت حروباً على النفوذ وواجهت خصوماً كثيرين. وجودها يثبت أن الحكم عرف صيغاً تتسع لأكثر من سلالة. بقي التنافس على الأرض والموارد، وأضاف إليه الصراع على الشرعية الدينية طبقة جديدة.
تُظهر تجربة المطرفية ثمن الاقتراب من قواعد الحكم نفسها. قال هذا الاتجاه الزيدي بأفكار خالفت التصور السائد عن الإمامة وشروطها، فانتهى الأمر باضطهاده واستئصاله على يد أئمة رأوا فيه تهديداً لسلطتهم. بدأ النقاش خلافاً بين علماء على التأويل، ثم بلغ أصل الامتياز وحدوده. من يملك السلطة ويملك التفسير المعتمد لمصدرها يحوّل الاعتراض على شروط الحكم إلى جريمة دينية ويفتح باب الإقصاء.
احتاج احتكار الإمامة إلى سور فكري، واحتاج السور إلى سلطة تفرض تفسيراً واحداً. ضاق الاجتهاد فاتسع التكفير، وصار الخلاف على شروط القيادة طريقاً إلى الطعن في شرعية المخالف نفسه. دفعت المطرفية ثمن التقاء العقيدة بالسلطة، وسجّل التاريخ مبلغ غضب السلطة من اجتهاد يقترب من حدود امتيازها.
أسقطت ثورة 1962 حكم حميد الدين وأعلنت الجمهورية. انتهى الحكم الملكي الإمامي وبدأ فصل جديد، وبقيت آثار القديم في الشبكات الاجتماعية والتعليمية والدينية، وفي أفكار الناس عن النسب والقيادة والحق في الحكم. الثورة تغيّر رأس السلطة في يوم واحد. العادات السياسية تحتاج إلى مؤسسات تجعل المواطنة أساس الحقوق، وإلى مجتمع اعتاد محاسبة الحاكم وتداول الحكم.
وعدت الجمهورية كثيراً وأنهكتها الانقلابات وتنافس مراكز النفوذ. اتسعت المسافة بين الدولة المكتوبة في الدستور والسلطة التي ترسمها موازين القوة، وتحركت الأفكار القديمة في هذه المسافة مستفيدة من هزال المؤسسات وفقدان الثقة بالنظام. بقيت الذاكرة الإمامية في أجزاء من المجتمع تنتظر موعد عودتها إلى الساحة العامة بلغة جديدة.
نشأت الحركة الحوثية في بيئة مثقلة بالمظالم ومؤسسات دولة متراجعة، وبدأت بنشاط ديني وثقافي قبل أن تتوسع عسكرياً وسياسياً. استولت على صنعاء عام 2014 وأدخلت اليمن حرباً واسعة طالت مؤسسات الدولة والاقتصاد وبيوت الناس. ملازم مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي ومفهوم الولاية في خطابها يمنحان القيادة خصوصية دينية مرتبطة بالنسب. قدّمت الحركة هذه الأفكار في واقع معاصر بأدوات تنظيم وسلاح وإعلام لم يعرفها الأئمة القدماء، وبقيت بعض ركائزها السياسية موصولة بتراث الإمامة الهادوية.
تظهر الصلة في تصور القيادة المستحقة، وفي مكانة حق الحكم داخل الخطاب الديني، وفي دور السلاح بفرض المشروع. صارت مؤسسات الدولة تحت سلطة الجماعة، وارتبطت الوظيفة العامة بشبكات الولاء، وامتد نفوذ القيادة إلى الإدارة والموارد والأجهزة الأمنية. يقف المواطن أمام سلطة تحدد شروط مشاركته وتطلب منه التكيف مع مشروعها، وتضيق المساحة التي كان الناس يراقبون فيها حاكمهم ويحاسبونه.
المفارقة أن مشروعاً رفع شعار حماية الدين والدنيا استهلك من أعمار اليمنيين ما استهلكته حروب السلطة. صار الخطاب الديني أداة حشد، ودخلت مؤسسات الدولة في منظومة السيطرة، وتراجعت المواطنة أمام امتيازات تمنحها الجماعة لنفسها. اتسعت سلطة القيادة وضاق المجال العام، وكلما ضعفت المؤسسات المستقلة زادت الحاجة إلى إعلان الولاء. الدولة بيت تتنازع الأسرة مفاتيحه، ويُطلب من سكانه دفع كلفة الصيانة والحراسة.
يستحق التراث الزيدي قراءة أوسع من التجربة الإمامية التي غلبت على سياسة اليمن. اختلفت مدارسه في شروط الإمامة واستحقاقها، ويحفظ تاريخه نقاشات عن القيادة والخلافة والشرعية. اختزاله في صيغة واحدة يعطي المشروع السياسي احتكاراً إضافياً، فيتكلم باسم مذهب كامل والتاريخ يشهد بتعدد الاجتهادات في داخله. النقد الدقيق يبدأ بالفصل بين هذا التنوع والمشروع الذي حصر الحكم في نسب مخصوص وربط إثبات الحق بالسلاح.
يحتاج اليمن إلى قواعد تجعل الحكم مسؤولية عامة وتعطي المواطنين حق اختيار حكامهم ومحاسبتهم، وإلى مؤسسات تواصل عملها مهما تبدلت الحكومات، وإلى قضاء يحتكم إلى القانون، وإلى جيش يتبع سلطة دستورية ويترك مشاريع الأسر والجماعات. عندئذ تستقر الإمامة في مكانها من تاريخ الأفكار السياسية، موضوعاً للدرس والنقد، وتفقد قدرتها على العودة كلما تعثرت الجمهورية.
بعد قرون من النزاع على صاحب الحق، يستحق اليمن زمناً تُقاس فيه شرعية الحاكم بأدائه وتُحسم المنافسة بالاقتراع والمؤسسات. الانتخابات موعد لتغيير السلطة، يغادر الخاسر منصبه وفق القواعد المتفق عليها، ويتولى الفائز إدارة الدولة أمام مواطنين يملكون مساءلته. في تلك اللحظة يتقلص النسب إلى شأن عائلي، ويعود السلاح إلى وظيفته العسكرية، وتتخلص الدولة من حاجتها الدائمة إلى إثبات صاحبها.
حينها ستحتفل البلاد بإنجاز إداري تأخر طويلاً، تجديد رخصة قيادة الدولة كل أربع سنوات، ويتسلم الحاكم الجديد مكتبه من سلفه، بينما ينشغل اليمنيون بأمورهم اليومية ويتركون كتب التاريخ لمؤرخيها.



