شرعية بلا وطن: كيف تُدار اليمن من المنفى؟
منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي اليمني، استبشرت النخب والشارع بعهد جديد يطوي صفحة التشتت ويصهر بندقية القوى المناهضة للمشروع الحوثي في خندق واحد. غير أن التحدي الأكبر الذي واجه هذا المجلس بمكوناته التعددية لم يكن فقط جسر الهوة السياسية بين فصائله، بل التغلب على المعضلة الجغرافية التي فرضتها ظروف الحرب: كيف يقود مجلس رئاسي دفة بلد يعصف به الانقسام والانهيار وهو يمارس مهامه، في كثير من الأحيان، من خارج ترابه الوطني؟ لقد وضعت إقامة قادة الشرعية في العواصم الإقليمية مفهوم "مجلس القيادة" أمام اختبار الفعالية الحقيقية، إذ تحولت إدارة الدولة إلى معادلة معقدة تبحث عن توازن مفقود بين اعتراف دولي متين، وواقع ميداني متفلت على الأرض.
تعتمد الحكومة المعترف بها دوليًا ومجلس القيادة في تسيير الأعمال من المنفى على ثلاث ركائز أساسية:
مظلة الاعتراف الدولي: يمثل قرار مجلس الأمن رقم 2216، والاعتراف الأممي المستمر، الورقة الرابحة الحيوية في يد الشرعية. هذا الاعتراف يمنحها الحق الحصري في تمثيل اليمن في المحافل الدولية، وتوقيع الاتفاقيات، والتحكم في السفارات والبعثات الدبلوماسية حول العالم.
حرب الخزائن والبنك المركزي: تدير الحكومة المعركة الاقتصادية عبر نقل المقر الرئيسي للبنك المركزي إلى العاصمة المؤقتة عدن، ومحاولة التحكم في الموارد السيادية الشحيحة، وصرف مرتبات قطاعات معينة، والتعامل مع المنح والمساعدات والودائع الإقليمية التي تشكل شريان الحياة لمنع الانهيار الشامل.
سياسة "عن بُعد" في الفنادق والمقرات المؤقتة: تُدار شؤون الدولة عبر اجتماعات لمجلس القيادة الرئاسي تُعقد في مقرات مؤقتة في الخارج أو عبر تقنيات الاتصال المرئي، لتوجيه المحافظين والمسؤولين المتواجدين في المحافظات المحررة.
رغم المحاولات المستمرة لإضفاء طابع الفعالية على إدارة المنفى، إلا أن هذه الآلية تواجه تحديات بنيوية قاتلة على أرض الواقع:
انفصال القرار عن نبض الشارع: غياب المسؤولين عن المعايشة اليومية للأزمات الميدانية (كانقطاع الخدمات، وتدهور العملة، والوضع الأمني) يخلق فجوة ثقة عميقة بين الشارع وقيادته، ويجعل القرارات تبدو وكأنها تصدر من فضاء منفصل عن المعاناة الحقيقية.
فراغ السلطة وتمدد قوى الأمر الواقع: ترك الساحة الميدانية فارغة سمح بنشوء قوى ونفوذ متعدد في المناطق المحررة، مما جعل سلطة الحكومة المركزية ومجلس القيادة سلطة أدبية بروتوكولية أكثر منها سلطة تنفيذية نافذة وقادرة على فرض النظام.
استنزاف الخزينة المستنزفة أصلًا: تستهلك إدارة الدولة من الخارج ميزانيات ضخمة بالعملة الصعبة لتغطية نفقات المسؤولين والبعثات الدبلوماسية، في وقت يعاني فيه الداخل من شلل اقتصادي وانهيار تاريخي للقدرة الشرائية للمواطن اليمني.
إن الرهان على بقاء مجلس القيادة الرئاسي كـ"سلطة افتراضية" تدير البلاد بالبيانات والاجتماعات التنسيقية من العواصم العربية هو مراهنة على الوقت الضائع. لم يعد المنفى خيارًا مستدامًا في ظل تجريف الحوثيين المستمر للهوية الوطنية في الشمال، واستفحال الأزمات المعيشية والاقتصادية في الجنوب. إن القيمة الحقيقية لمجلس القيادة لا تنبع من رمزية شرعيته القانونية الدولية فحسب، بل من قدرته على التواجد الفعلي الدائم فوق التراب اليمني، وقيادة مؤسسات الدولة من داخل عدن والمحافظات المحررة، ومشاركة المواطن المكلوم تفاصيل أزمته اليومية. وبدون الانتقال الكامل والشجاع من مربع الاغتراب السياسي إلى واقعية الميدان، فإن الشرعية تخاطر بالتحول إلى ظاهرة صوتية وقانونية معزولة، بينما تُصنع الجغرافيا السياسية الجديدة لليمن بأيادٍ أخرى فرضت وجودها على الأرض.



