ادعاء الحكمة كغطاء للضعف
تتحول الحكمة إلى غطاءٍ للضعف في اللحظة التي يُخلط فيها عمدًا بين «التروّي الواعي» و«العجز عن المواجهة»؛ حين تُستعار مفردات الاتزان والتعقل لتجريد التراجع من حقيقته المجرّدة. إنها إحدى أقدم الحيل النفسية والدفاعية التي يلجأ إليها العقل الإنساني لحماية احترامه لذاته حين تعوزه الشجاعة أو تعييه الكلفة، فيُعاد تدوير الخوف ليصبح "حذرًا مشروعًا"، والرضوخ ليغدو "مرونة استراتيجية".
هذا الانزلاق يظهر عادة عبر مظاهر متكررة في السلوك الفردي والجمعي، يمكن إيجازها بالأتي:
1. تزييف الفضائل وتفريغها من جوهرها:
يُستبدل «الحِلم» بالمهانة، و«الصبر» بالاستكانة، و«المداراة» بالمداهنة. وقد فرّق الفكر الأخلاقي قديمًا بين الفضيلة وشبيهتها الرذيلة؛ فالحلم لا يكون حكمة إلا لمن يملك القدرة على البطش أو الرد ثم يمتنع تقديرًا للمصلحة، أما إذا غابت القدرة تمامًا، فالسكوت خضوعٌ اضطراري أُلبس عباءة الفضيلة قسرًا.
2. الواقعية السلبية كحتمية مفروضة:
الهروب وراء شعار "قراءة الواقع وموازين القوى" لتبرير الجمود التام. الحكمة الحقيقية تقرأ الواقع لتتحرك ضمن هوامشه الممكنة وتغيّر معادلاته تدريجيًا، بينما الحكمة المتنكرة بالضعف تتخذ من الواقع قيدًا أبديًا ومبررًا لإلغاء المبادرة وتبرئة الذمة من واجب التغيير.
3. إهدار الزمن بدل استثماره:
يتريث الحكيم بانتظار نضوج الظروف وهو يعد العدة ويبني عناصر القوة في الظل، بينما يُهدر الضعيف الوقت متعللًا بـ"انتظار اللحظة المناسبة"، وهي لحظة لا تأتي أبدًا لأن الاستعداد لها لم يبدأ أصلًا، فيؤول التريث إلى تسويف وتآكل مستمر في الموقف.
المعيار الفارق بين الاثنين يكمن دائمًا في «عنصر الاختيار» و«المآل»؛ فالحكمة فعل اختيار حر ينطلق من بدائل متعددة ويمتلك زمام الإرادة، ومآلها تحسين الموقف أو حماية مبدأ ثابت. أما تبرير الضعف فهو نتاج انسداد الخيارات وافتقار العزيمة، ومآله الطبيعي هو التنازل التراكمي وتطبيع الهزيمة؛ وكما صاغها المتنبي باقتضاب حاسم:
ووضعُ النَّدى في موضعِ السَّيفِ بالعُلا
مُضِرٌّ كوضعِ السَّيفِ في موضعِ النَّدى



