شيوخ البيروقراطية وعمائم النمل الأبيض

في مشهد تتداخل فيه دلالات السياسة وثقافة التراث، باتت الهوية اليمنية تواجه اختبارات قاسية تتجاوز حدود الجغرافيا لتلامس جوهر الانتماء. وبينما يئن الداخل تحت وطأة الصراعات والتحولات العميقة، تبرز بين طيات المشهد مفارقات عجيبة تضع الرمزيات التاريخية في مهب الريح. ولعلّ أبرز تجليات هذا الانفصام الواقعي ما شهدته أروقة الدبلوماسية الدولية مؤخرًا، حيث أُخرجت القبيلة اليمنية من محيطها التربوي والميداني لتُزجّ في قاعات جنيف البردية، في صورة تعكس أزمة قيادة وبوصلة آن الأوان لتفكيكها وقراءتها بموضوعية.
في قصر الأمم المتحدة بمدينة جنيف السويسرية، حيث تتصادم ملفات الدول الكبرى وتتوارى هموم الشعوب خلف الكواليس الدبلوماسية، انعقد مؤخرًا اجتماع غير مألوف حمل عنوان «ميثاق الشرف القبلي». وقد نقلت لقطات مصورة وشهادات مشهداً فائق الدلالة: مشايخ وقبليون يمنيون، لطالما اقترنت صورهم بالمقاصد اليمنية التقليدية والجنبية والخناجر الفضية والعمة العريقة، ظهروا هذه المرة مرتدين البدل الرسمية الحديثة وروابط العنق «الكرفته» من أفخر أنواع الأقمشة الإيطالية.
علاوة على ذلك، فإن هذا التحول البصري الصادم لم يكن مجرد تغيير في الأزياء، بل فتح بابًا واسعًا أمام تساؤلات عميقة حول مصير القبيلة اليمنية، وهل تحولت التقاليد العريقة إلى مجرد «كاريكاتير» سياسي يُستعرض في العواصم الغربية، بعيداً عن أتربة اليمن وميدان الصراع الحقيقي؟
التمدن المصطنع.. هل يُخضع القبيلة؟
وفي السياق ذاته، يطرح المشهد تساؤلًا ساخرًا ومؤلمًا في آن واحد: كيف يُراد للقبيلة اليمنية أن تُدار وتُخضع حين يُجرّد شيخها من عفويته وموروثه، ليُلبس بدلة أوروبية باهظة الثمن؟ إذ يرى المنتقدون أن هذا «التمدن الفوقي» يمثل اغترابًا بنيويًا عن جوهر القبيلة. فالقبيلة بطبيعتها ليست مجرد مسمى أو ألقاب متوارثة، بل هي تلاحم عضوي مع الأرض، وتفاعل يومي مع هموم الأفراد وقضاياهم في القرى والمخاليف.
من جهة أخرى، حين يُستبدل الوعي الميداني بقاعات المؤتمرات المكيفة في سويسرا، تفقد القيادة القبلية هيبتها الحقيقية؛ لتصبح مجرد واجهة بروتوكولية تُدار عبر المنظمات واللقاءات الدبلوماسية التي تفقه لغة التقارير ولا تفقه لغة «الداعي» و«النكف» القبلي.
مشايخ المنفى.. ألقاب بلا قواعد
أما عن العمق الأكبر للأزمة، فهو يكمن في الشرخ الكارثي بين قيادات قبلية تقيم في المنفى الاختياري أو الاضطراري، وبين أفراد تلك القبائل الصامدين على الأرض تحت سلطة الأمر الواقع للحوثي.
وفي هذا الإطار، فإن هؤلاء المشايخ، بحسب القراءة النقدية للمشهد، لم تعد تربطهم بقواعدهم الشعبية سوى الألقاب والمفاخر التاريخية؛ إذ لا قول لهم ولا سلطة، ولا تأثير عملي على أفراد قبائلهم الذين يواجهون شظف العيش وقبضة السلطة اليومية في الداخل. ومن هنا تأتي المفارقة المريرة: شخصيات تجتمع في الشتات لتتفق على «ألا تتفق»، منتجةً حوارات نخبوية معزولة تمامًا عن ديناميكيات الصراع الفعلي في اليمن.
مفارقة المكان: لماذا سويسرا لتوقيع «شرف القبيلة»؟
ختامًا، تتجلى الطامة الكبرى، وفقاً للمنظور الناقد للنص، في جغرافية الحدث نفسه. إذ يبرز التساؤل الملح: لماذا اختيرت سويسرا، بعيدًا عن كل العواصم العربية والإسلامية، لتوقيع ميثاق يتعلق بـ«الشرف القبلي» لليمنيين؟
على الرغم من أن اليمن، التي طالما وُصفت بأنها «أصل العرب»، تمتلك رصيدًا هائلًا من الأعراف والقوانين القبلية المتوارثة (مثل أسلاف القبائل) القادرة على حل النزاعات وحقن الدماء، إلا أن الهروب نحو الغرب يعكس انفصالًا ثقافيًا وجغرافيًا حادًا؛ فالدول الأوروبية لا تعترف بالقبلية كنسق قانوني أو اجتماعي مستقل، كما أن رعاتها الدبلوماسيين لا يفهمون المعنى الحقيقي لكرامة القبيلة وحميتها. وبناءً عليه، فإن عقد مؤتمرات القبيلة في جنيف يطرح علامات استفهام كبرى حول مدى استقلالية القرار، وهل تحولت القبلية اليمنية إلى بند في أجندات الدعم الخارجي والمنظمات الدولية بدلًا من أن تكون صمام أمان داخلي؟



