عندما يصبح المُطبّل أول الشامتين
كان لي قريب عزيز، رأيته يسير في طريق لا يليق به، فكان لزامًا عليّ أن أنصحه، مرة بلطف، ومرة بحزم، سرًّا وجهرًا، خوفًا عليه لا حسدًا له، وحرصًا على ألا يصل إلى مرحلة يندم فيها حين لا ينفع الندم.
لكنه لم يكن يرى في نصحي إلا غيرةً منه، وكان يصدّني ويغلق قلبه أمام كلماتي، معتقدًا أنني أحسده على ما هو فيه. وفي المقابل، كان يفتح مجلسه وقلبه لمن يطبلون له، ويمدحون أفعاله ويصفقون لقراراته، حتى وإن كانت تقوده إلى طريق الخطر. كان صوت التصفيق يطربه، فاختار الوهم المريح على الحقيقة الموجعة، ولم يدرك أن النصيحة التي رفضها ربما كانت طوق النجاة الذي احتاج إليه.
ودارت الأيام، وتبدلت الأحوال، حتى وجد نفسه في موقف صعب، عاجزًا عن الحركة والتصرف كما كان من قبل. التفت حوله يبحث عن الوجوه التي كانت تملأ مجلسه ضجيجًا ومديحًا، فلم يجد أحدًا. اختفى المصفقون عندما غابت المصالح، وكأن العلاقة التي جمعته بهم لم تكن يومًا سوى صفقة مؤقتة، تنتهي بانتهاء أسبابها.
لكنني، رغم كل ما كان بيننا، لم أستطع أن أتركه وحيدًا في محنته. مددت له يد المساعدة، لا انتظارًا لاعتذار، ولا رغبةً في إثبات أنني كنت على حق، بل لأن الوفاء عندي موقف، ولأن الإنسان لا يتخلى عن أصوله وأخلاقه لمجرد أن الآخرين لم يقدّروا نصيحته.
فإذا بالمفاجأة المؤلمة أن بعض أولئك الذين كانوا يبالغون في مدحه لم يكتفوا بالتخلي عنه، بل تحولوا إلى شامتين، وراح بعضهم يطعن في ظهره، ويقف في صف خصومه، وكأن ضعفه فرصة لتصفية الحسابات، لا مناسبة لاستحضار المروءة والوفاء.
وهنا تتجلى حقيقة مؤلمة: ليس كل من يمدحك محبًّا لك، وليس كل من يخالفك عدوًّا لك. فقد يوجعك الناصح بكلمة يريد بها إنقاذك، بينما يرضيك المُطبّل بكلمات جميلة تخفي وراءها مصلحة لا تظهر حقيقتها إلا عندما تتغير الظروف.
لكن المسؤولية لا تقع على المُطبّلين وحدهم؛ فمن يرفض النصيحة، ويقصي الصادقين، ويحيط نفسه بمن يوافقونه على كل شيء، يشاركهم في صناعة الوهم الذي قد يسقط فيه يومًا. فالحكمة ليست في أن تجد من يصفق لك، بل في أن تجد من يجرؤ على مصارحتك عندما تخطئ، ومن يحفظ لك الود عندما تختلف معه.
وهذه ليست قصة فرد بعينه، بل صورة تتكرر في بيوتنا ومجالسنا وأعمالنا ومؤسساتنا. كم من إنسان رفعه المديح حتى ظن أنه لا يخطئ، وكم من صاحب نفوذ اكتشف متأخرًا أن كثرة المحيطين به لا تعني كثرة الأوفياء! فالمحن لا تكشف معادن الناس فحسب، بل تكشف أيضًا حقيقة اختياراتنا، والأشخاص الذين منحناهم ثقتنا، والمواقف التي تجاهلنا فيها أصوات الناصحين.
إن المحبة الحقيقية لا تُقاس بالتصفيق وأنت واقف، ولا بكثرة المتزاحمين حولك وأنت قوي، وإنما بمن يبقى إلى جوارك حين تضعف، وبمن يصون كرامتك حين تفقد جاهك ونفوذك، وبمن يساعدك على النهوض دون أن يذكّرك كل لحظة بأنه كان على حق.
لذلك، لا تجعلوا خلافات الأمس مبررًا للشماتة في محن اليوم، ولا تجعلوا ضعف الآخرين فرصة للنيل منهم. انصحوا بصدق، وتقبلوا النصيحة بتواضع، ولا تغتروا بمن يمدحونكم في الرخاء؛ فالمواقف وحدها هي التي تكشف حقيقة الكلمات.
ولنردد دائمًا: اللهم لا شماتة. فالأيام دول، ولا أحد يضمن بقاء الحال على ما هو عليه، ومن عاب غيره اليوم قد يمر غدًا بما عابه عليه. اصنعوا الخير لوجه الله، وتمسكوا بأخلاقكم حتى مع من أساء إليكم؛ فالقيمة ليست في أن تنتصر على من خذلك، بل في ألا تتحول إلى نسخة ممن خذلك.
فالناصح الصادق قد تخسر رضاه لحظة، لكنك تكسب صدقه، أما المُطبّل فقد يمنحك نشوة المديح اليوم، ثم يكون أول من يشمت بك غدًا.
وما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.



