الثلاثاء 27 أكتوبر 2026

تراجيديا الحياة والموت على الحدود

تراجيديا الحياة والموت على الحدود
إلى روح الشهيد هارون عبده، وإلى أرواح كل شهداء لقمة العيش، الذين لم يطلبوا من الدنيا سوى حقهم في الحياة.

كل ما كان يصبو إليه هارون وأترابه لم يكن ثراءً ولا رفاهية، ولا حلمًا يتجاوز حدود البقاء؛ كل ما أرادوه أن ينتقلوا من عالم ضاقت فيه سبل الحياة، وأُغلقت في وجههم أبواب الرزق، إلى عالم آخر، لعلهم يجدون فيه لقمة عيش تحفظ كرامتهم وتُبقيهم على قيد الحياة.

لم يكونوا مخيّرين، بل كانوا مدفوعين بوجع الحاجة، ومحاصرين بقسوة الواقع، فلم يروا أمامهم منفذًا سوى الرحيل، علّهم يجدون في الضفة الأخرى ما عجزوا عن العثور عليه في وطنهم.

لكن هارون وأترابه سقطوا موتى على الحدود؛ هناك، بين عالم طارد لفظهم، وعالم جاذب تعلّق به أملهم. سقطوا بين أرض لم تعد تتسع لحياتهم، وأرض ظنوا أنها قد تمنحهم فرصة للعيش.

يا لها من تراجيديا موجعة! أن يموت الإنسان وهو يبحث عن الحياة، وأن تصبح لقمة الخبز حلماً يستحق أن يغامر المرء بروحه من أجله، وأن تتحول الحدود التي تفصل بين بلدين إلى خط فاصل بين الحياة والموت، وبين الأمل والخذلان.

لكن ما يجعل هذه المأساة أشد إيلامًا أن البلد الواقع على الجانب الآخر من الحدود ليس جارًا عاديًا لليمن؛ فبين البلدين وشائج الجغرافيا والتاريخ والدين والعروبة والمصالح المشتركة، ما يجعل مصير أحدهما وثيق الصلة بمصير الآخر، ويتأثر كل منهما بما يصيب جاره، سلبًا أو إيجابًا.

وهنا لا بد من التذكير بحقيقة جغرافية وسياسية لا ينبغي تجاهلها: إن اليمن، باستثناء حدوده مع سلطنة عُمان، لا يملك حدوداً برية مع دولة أخرى غير المملكة العربية السعودية؛ أما الجهات الأخرى، فتفصل اليمن عن محيطه اليابسة بحارٌ ومياه. وهذه الحقيقة ليست مجرد معلومة جغرافية، بل مفتاح لفهم طبيعة العلاقة بين البلدين، وما تفرضه من مسؤوليات متبادلة.

فالجغرافيا لا تتيح لليمن والسعودية رفاهية تجاهل أحدهما الآخر، كما أن المصالح المشتركة لا تسمح لأي منهما بالتعامل مع الآخر بوصفه شأنًا هامشيًا. نحن أمام بلدين يرتبط أمنهما واستقرارهما ومصالح شعبيهما بروابط عميقة، تجعل العلاقة بينهما إما مصدر قوة وازدهار متبادل، وإما بابًا لمعاناة تتجاوز حدود البلد الذي تبدأ فيه.

ومنطق الأمور يضعنا أمام مسارين واضحين: إما أن يرتقي البلدان بعلاقتهما إلى مستوى المسؤولية التاريخية، فيتعاونا ويتكاملا ويتشاركا في مختلف المجالات، على أساس الاحترام المتبادل وصون السيادة وإرادة الشعبين، بما يحقق الخير لليمن والسعودية معًا؛ وإما أن تتحول العلاقة إلى معادلة نفوذ يسعى فيها أحد الطرفين إلى تطويع الآخر والتحكم بمصيره، وإبقائه في دائرة التأثير والوصاية، بدلًا من مساعدته على استعادة قدرته على إدارة شؤونه وبناء دولته.

والفارق بين المسارين جوهري: فالشراكة الحقيقية تقوّي الجار وتعينه على الوقوف على قدميه، أما التحكم فيُبقيه ضعيفًا، محتاجًا، ومثقلًا بأزمات تجعله عاجزًا عن تقرير مستقبله باستقلالية.

وفي الحالة اليمنية، لا يمكن تجاهل حجم النفوذ السعودي في مسار السلطة التي تتحدث باسم الشرعية، ولا دور المملكة في دعمها وترتيب موازين القوة داخلها. فالسلطة التي رعتها المملكة وتبنّتها، وما يرتبط بها من مكونات عسكرية وسياسية، لا يمكن النظر إلى مسارها بمعزل عن طبيعة ذلك النفوذ وحدوده.

وهذا يضعنا أمام سؤال سياسي وأخلاقي مشروع: إذا كان النفوذ قد بلغ من الاتساع ما مكّن المملكة من التأثير في بنية السلطة اليمنية وقراراتها، فكيف يمكن فصل هذا النفوذ عن المسؤولية تجاه النتائج التي أفضت إليها السياسات المتبعة، وتجاه الأوضاع التي يعيشها اليمنيون؟

لسنا هنا بصدد إعفاء الأطراف اليمنية من مسؤولياتها، ولا إنكار دور بقية القوى الإقليمية والدولية في ما وصلت إليه البلاد؛ فالمسؤولية تتفاوت بحسب الأدوار والقرارات ومقدار القدرة على التأثير. لكن من غير المنطقي أن يتسع النفوذ عند توزيع المواقع وتوجيه القرارات، ثم تضيق المسؤولية حين يتعلق الأمر بالنتائج وتبعاتها الإنسانية.

من يملك قدرة التأثير في القرار، لا يستطيع أخلاقيًا أن يتعامل مع نتائجه وكأنه مجرد مراقب لا صلة له بها.

ومن هنا، فإن ما يجري في اليمن لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة مع المملكة العربية السعودية، ولا عن الدور الذي تؤديه في معادلة السلطة والحرب والسلام. وإذا كانت المملكة قد امتلكت من النفوذ ما مكّنها من التأثير في القرار السياسي اليمني، أفلا ينبغي أن تكون لديها الإرادة نفسها للإسهام الجاد في إنهاء الحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد، وفتح أبواب الأمل أمام اليمنيين في وطنهم؟

إن هذه المسؤولية لا تعني أن المملكة وحدها مسؤولة عن كل ما حدث ويحدث في اليمن، لكنها تعني أن حجم التأثير يرتب مسؤولية تتناسب معه، وأن الشراكة الحقيقية لا تُقاس بالقدرة على توجيه القرار وحدها، بل أيضًا بالاستعداد لتحمل تبعاته والعمل على تصحيح مساره.

وإذا كان هذا هو جوهر المسألة السياسية، فإن مأساة هارون وأترابه تضعها أمام امتحانها الإنساني الأكثر إلحاحًا.

فليس من المنطق ولا من الإنسانية أن يجد اليمني نفسه محاصراً في وطنه، فاقدًا فرص العمل ومصادر الدخل، ثم يغامر بحياته بحثًا عن لقمة العيش خارج حدوده، ليواجه الموت قبل أن يبلغ غايته.

وليس من المقبول أن تتحول معاناة اليمنيين الاقتصادية والمعيشية إلى واقع دائم، فيما تظل الحلول الجذرية مؤجلة، ويظل الإنسان العادي يدفع ثمن الحرب والانقسام وانهيار مؤسسات الدولة.

إن المسؤولية لا تقتصر على حماية الحدود أو ضبط العبور، على أهمية ذلك في حسابات الأمن والنظام؛ بل تبدأ بمعالجة الأسباب التي تدفع الإنسان إلى مغادرة وطنه مكرهاً، وتمتد إلى الإسهام في توفير فرص الحياة الكريمة، وتيسير السبل الآمنة والمشروعة للعمل، وإنهاء الحرب التي بددت موارد البلاد وأثقلت كاهل شعبها.

أما آن لمأساة اليمنيين أن تنتهي؟ أما آن لهذا الشعب أن يجد في وطنه ما يمنحه حق الحياة، بدلًا من أن يطارد لقمة العيش بعيداً عنه، فيموت على الحدود قبل أن يبلغ غايته؟

إن اليمن بلد يتأرجح شعبه بين الحياة والموت، وجاره الذي يُنتظر منه أن يكون سندًا وعونًا، بحكم الجوار والمصالح المشتركة والروابط التاريخية، مطالب بأن يجعل من هذه الروابط التزامًا عمليًا لا مجرد شعارات، ومن نفوذه مدخلًا للحل لا سببًا لاستدامة الأزمة.

فالمأساة لا تُعالج بالتعاطف وحده، ولا بالبيانات وحدها، بل بمراجعة السياسات التي عمّقت معاناة اليمنيين، وبإرادة سياسية تجعل إنهاء الحرب واستعادة الدولة وتحسين حياة الناس أهدافاً تتقدم على حسابات النفوذ والتنافس.

ارحموا اليمن، وارحموا اليمنيين.

يا أهل المملكة، إن اليمن ليس بلدًا بعيدًا عنكم، ولا شعبًا غريبًا عنكم؛ إنه جاركم وشريككم في الجغرافيا والمصير، وما يصيبه اليوم لن تبقى آثاره حبيسة حدوده غدًا. وإن أمن الجار واستقراره وكرامته ليست عبئًا على جاره، بل مصلحة مشتركة ومسؤولية تفرضها حقائق الجغرافيا وأواصر الأخوة.

وإن اليمنيين لا يطلبون من أشقائهم سوى علاقة تحفظ كرامتهم، وتصون حقهم في تقرير مصيرهم، وتعينهم على استعادة دولتهم، وتمنحهم فرصة العيش والعمل في وطنهم، بعيدًا عن الحاجة إلى المخاطرة بأرواحهم بحثًا عن الخبز.

فما قيمة الجوار إن لم يظهر أثره ساعة الشدة؟ وما قيمة الروابط التاريخية إن لم تتحول إلى مواقف تخفف معاناة الناس وتصون كرامتهم؟ وما جدوى النفوذ إذا لم يُسخّر لإنهاء المأساة وفتح الطريق أمام السلام والاستقرار؟

فما أقسى أن يكون الموت في الوطن جوعًا، وأن يكون الموت خارجه بحثًا عن الخبز!

وما أشد وجعًا أن يرحل الإنسان عن وطنه هربًا من ضيق الحياة، ثم يسقط على الحدود قبل أن يصل إلى المكان الذي علّق عليه أمله!

إلى روح الشهيد هارون عبده، وإلى أرواح كل الذين قضوا وهم يطاردون لقمة العيش: لم يكن ذنبكم أنكم أردتم الحياة، بل كانت مأساتكم أنكم اضطررتم إلى البحث عنها بعيدًا عن وطن لم يعد قادرًا على احتضانكم.

رحمكم الله، وجعل دماءكم ودموع أهليكم شاهدًا لا يغيب على مأساة شعب يستحق أن يعيش بكرامة، لا أن يموت بحثًا عن حقه في الحياة.

أما آن لهذه المأساة أن تنتهي؟