الثلاثاء 27 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • حين يسبق الشعب الرياض إلى الحقيقة: عودة الشرعية التي تأخرت سنوات

حين يسبق الشعب الرياض إلى الحقيقة: عودة الشرعية التي تأخرت سنوات

لم يكن اليمنيون بحاجة إلى افتتاحية في صحيفة سعودية كي يكتشفوا أن قياداتهم السياسية والعسكرية والحكومية مطالبة بالعودة إلى البلاد. فمنذ الأيام الأولى للحرب، بُحت أصوات المواطنين والجنود والمقاومين والناشطين وهم يطالبون قيادات الشرعية بالعودة إلى الداخل، لإدارة الدولة والحرب من أرض اليمن، ومشاركة الشعب معاناته، والإشراف على المعركة ضد جماعة الحوثي، بدلًا من استمرار إدارة شؤون البلاد من عواصم الخارج.

لم تكن تلك الدعوات ترفًا سياسيًا أو موقفًا عاطفيًا عابرًا، بل تعبيرًا عن إدراك مبكر لحقيقة أن معركة استعادة الدولة لا يمكن أن تُترك للمقاتلين وحدهم، بينما تبقى القيادة السياسية والعسكرية بعيدة عن الميدان، ولا تتحمل بصورة مباشرة أعباء الحرب وتبعات قراراتها.

ولو عادت القيادات منذ السنوات الأولى، ومارست مسؤولياتها من الداخل، وعملت على توحيد القرار السياسي والعسكري، وبناء المؤسسات ومساندة الجيش والمقاومة الشعبية، لكان من الممكن أن يتغير مسار الحرب بصورة جوهرية، وربما أُغلقت أبواب كثيرة أمام تمدد الحوثيين، واستُعيدت الدولة في وقت أبكر.

لا يعني ذلك الجزم بأن العودة وحدها كانت ستنهي الحرب، فالصراع تحكمه عوامل عسكرية وسياسية وإقليمية معقدة، لكن غياب القيادة عن الداخل حرم الشرعية من فرصة أساسية لتعزيز حضورها، وإدارة مؤسساتها، ومشاركة اليمنيين أعباء المواجهة.

ومن هنا، فإن السؤال ليس ما إذا كانت القيادات مطالبة بالعودة، بل لماذا استمر غيابها كل هذه السنوات، ولماذا لم يتحول هذا المطلب الشعبي المبكر إلى قرار جاد وملزم، ولماذا جاءت رسالة الرياض متأخرة؟

حين يصبح المطلب اليمني عتابًا سعوديًا

في 20 أكتوبر 2026، نشرت صحيفة «عكاظ» السعودية افتتاحية بعنوان «تحرير اليمن مسؤولية اليمنيين»، تضمنت انتقادات مباشرة للقيادات اليمنية المقيمين في الخارج، وما قد توفره لبعضهم من استقرار معيشي ورواتب أو إعانات وخدمات، محذرة من أن يؤدي ذلك إلى تراجع انشغالهم بقضية استعادة الدولة.

وذهبت الافتتاحية إلى أن الجهود السياسية والعسكرية للتحالف، مهما بلغت أهميتها، لن تحقق أهدافها بصورة مستدامة ما لم يتولى اليمنيون مسؤوليتهم، ويعملوا على توحيد صفوفهم وتعزيز ما يتحقق من تقدم. كما استشهدت بالمثل الشعبي: «عمود الضيعة راعيها، وباقي الخلق فزاعة»، في إشارة إلى أن المسؤولية الأساسية عن استعادة البلاد تقع على عاتق أبنائها.

لكن ما يستحق التوقف عنده أن هذه الرسالة لم تأتِ بجديد على مستوى المطلب الشعبي اليمني؛ فاليمنيون ظلوا يطالبون بعودة قياداتهم منذ بداية الحرب، وانتقدوا مرارًا استمرار إقامتها خارج البلاد، في وقت تحمل فيه الجنود والمواطنون أعباء المواجهة، وتفاقمت فيه معاناة الناس وتراجعت الخدمات والمؤسسات.

الجديد هو أن هذا المطلب عاد هذه المرة في صورة عتاب صادر عن صحيفة سعودية، بعد سنوات من الحرب التي شاركت المملكة في إدارتها ودعم القوى المناهضة للحوثيين خلالها.

إن مطالبة القيادات بالعودة ليست اكتشافًا سعوديًا جديدًا، ولا ينبغي أن تُقدَّم باعتبارها مبادرة جاءت لإنقاذ اليمنيين من عجزهم عن إدراك مسؤولياتهم. إنها قضية ظل اليمنيون يرفعونها سنوات، وكان الأجدر أن تتحول إلى سياسة عملية منذ البداية، بدلًا من أن تبقى موضع جدل يتجدد كلما تعثرت جهود استعادة الدولة.

أي قيادة تستعيد الدولة من وراء الحدود؟

لا تتعلق القضية بمجرد مكان إقامة المسؤول، بل بطبيعة الدور الذي يؤديه، ومدى ارتباطه بالواقع الذي يُفترض أن يديره. فالقيادة السياسية ليست منصبًا منفصلًا عن مسؤولياته، والشرعية لا ينبغي أن تظل عنوانًا للاعتراف الدولي، فيما تتراجع قدرتها على إدارة مؤسسات الدولة ومتابعة شؤون المواطنين.

كيف يمكن لقيادة أن تطالب الجنود بالصمود والتضحية، بينما لا تشاركهم ظروف المواجهة بصورة مباشرة؟ وكيف يمكن لحكومة أن تتحدث عن استعادة الدولة، في وقت يعاني فيه موظفون من تأخر الرواتب أو انقطاعها، وتواجه فيه الأسر أعباء المعيشة والتعليم والعلاج، وتتراجع فيه قدرة المؤسسات على أداء وظائفها؟

وأي رسالة يمكن أن تصل إلى المقاتلين والمواطنين حين يرون أن المسؤولين الذين يُفترض أن يقودوا المعركة يعيشون بعيدًا عن كثير من تبعاتها؟

إن وجود القيادات في الداخل لا يضمن وحده النجاح، كما أن بعض المخاطر الأمنية قد تكون حقيقية، لكن ذلك لا يصلح مبررًا مفتوحًا لاستمرار الغياب سنوات طويلة. فالواجب كان يقتضي وضع ترتيبات عملية لممارسة المسؤوليات من الداخل، ومعالجة المخاطر، وبناء مؤسسات قادرة على العمل، بدلًا من ترك مطلب العودة معلقًا إلى أجل غير معلوم.

لقد دفع اليمنيون أثمانًا باهظة في هذه الحرب، ولا يجوز أن يتحول غياب القيادة إلى وضع طبيعي، بينما يبقى المواطن والمقاتل في مواجهة الخطر والمعاناة.

السعودية.. من احتضان القيادات إلى مساءلة السياسة

لا يمكن تناول ظاهرة إقامة قيادات الشرعية في الخارج بمعزل عن الدور السعودي. فقد استضافت الرياض معظم هذه القيادات، وقدمت المملكة دعمًا سياسيًا وعسكريًا وماليًا سخي للقوى المناهضة للحوثيين، وأصبحت العلاقة بين الطرفين جزءًا أساسيًا من المشهد السياسي والعسكري منذ عام 2015.

وكان المنتظر أن يُترجم هذا الدعم إلى مؤسسات وطنية أكثر تماسكًا، وقيادة عسكرية موحدة، وإدارة سياسية قادرة على توحيد القوى المختلفة حول هدف استعادة الدولة. لكن سنوات الحرب شهدت انقسامات متكررة، وتعددًا في مراكز النفوذ، وتضاربًا في الولاءات والأولويات، فضلًا عن اختلالات في إدارة الموارد والملفات العسكرية والاقتصادية.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن سؤال غياب القيادات: ما طبيعة السياسة التي أدارت بها السعودية علاقتها بالشرعية اليمنية؟ وهل نجحت آليات الدعم والاستضافة في تعزيز استقلال القرار اليمني وبناء مؤسسات فاعلة، أم أنها أخفقت في معالجة الاختلالات التي ظلت تعيق أداء المعسكر المناهض للحوثيين؟

لا يكفي أن يُطلب من القيادات العودة بعد سنوات من الإقامة في الخارج، بل ينبغي التساؤل عن أسباب استمرار هذا الواقع، وعن مدى جدية الأطراف المختلفة في تغييره. فإذا كانت عودة القيادات ضرورة وطنية، فلماذا لم تكن أولوية واضحة منذ بداية الحرب؟ ولماذا لم تُربط المساعدات والامتيازات، حيثما كانت خاضعة لقرارات الجهات الداعمة، بمؤشرات أداء ومساءلة واضحة؟

فالدعم الخارجي الذي لا يرتبط بمساءلة حقيقية قد يتحول، مهما كانت نواياه المعلنة، إلى عامل يساعد على استمرار الوضع القائم. ومن هنا، فإن مسؤولية السعودية لا تنتهي عند تقديم الأموال أو الاستضافة، بل تشمل مراجعة نتائج سياساتها، ومدى إسهامها في بناء سلطة يمنية قادرة على تحمل مسؤولياتها.

اقتصاد الحرب.. حين تتقدم المصالح على استعادة الدولة

تتجاوز أزمة الشرعية مسألة الإقامة في الخارج إلى طبيعة إدارة الموارد والسلطة خلال سنوات الحرب. فقد كشفت دراسات متخصصة عن اختلالات في اقتصاد الحرب اليمنية، وعن شبكات مصالح ومحسوبية امتدت عبر خطوط المواجهة، مستفيدة من ضعف المؤسسات والرقابة.

وتتناول دراسة مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية حول الفساد في اقتصاد الحرب اليمنية مظاهر من هذه الاختلالات، منها تضخم كشوفات الرواتب العسكرية، ووجود ما يُعرف بالجنود الوهميين، واستغلال الموارد لبناء شبكات نفوذ، فضلًا عن تعقيدات العلاقة بين التمويل الخارجي ومراكز القوة المحلية.

ولا تعني هذه الوقائع أن جميع القيادات فاسدة، أو أن كل مسؤول مقيم في الخارج مستفيد من اقتصاد الحرب، لكنها تفرض مساءلة جدية عن طريقة إدارة الموارد التي خُصصت لمواجهة الحوثيين، وعن مدى وصولها إلى المستحقين، وعن أسباب تعثر الإصلاحات المؤسسية.

فكل مورد يُهدر، وكل قرار يُتخذ بعيدًا عن الرقابة، وكل تشكيل عسكري يعمل خارج إطار مؤسسي منضبط، يمكن أن يضعف قدرة الدولة على إدارة المعركة. وفي المقابل، فإن الجنود والمقاتلين الذين يتحملون أعباء المواجهة يستحقون أن تُدار الموارد المخصصة لهم بشفافية، وأن يُحاسب كل من يثبت استغلاله للمال العام أو الإضرار بالمؤسسات.

والأخطر أن استمرار الحرب في ظل ضعف المساءلة قد ينشئ مصالح مرتبطة ببقاء الأوضاع القائمة. ولا يجوز الجزم بأن إطالة الحرب كانت هدفًا مقصودًا لدى كل من استفاد منها، لكن وجود هذه المصالح يستدعي التحقيق في تأثيرها على القرارات السياسية والعسكرية، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته.

من يتحمل مسؤولية الفرص التي أُهدرت؟

شهدت الحرب اليمنية انتكاسات ميدانية كبيرة في جبهات متعددة، وأثارت تلك الانتكاسات أسئلة بشأن الجاهزية العسكرية، وكفاءة التخطيط، والتنسيق بين التشكيلات، وفاعلية القيادة والإمداد.

ولا يصح تفسير جميع الخسائر بعامل واحد، أو الادعاء بأن غياب القيادات كان السبب الوحيد في تعثر استعادة الدولة. فقد تأثرت الحرب بقدرات الحوثيين، ودعمهم الخارجي، والانقسامات الداخلية، والتدخلات الإقليمية، وطبيعة القرارات العسكرية والسياسية المتخذة خلال مراحل مختلفة.

لكن ذلك لا يعفي القيادات من مسؤولية مراجعة أدائها. فالسؤال ليس فقط لماذا تقدم الحوثيون في بعض الجبهات، بل أيضًا: هل كانت القوات تعمل ضمن قيادة موحدة؟ وهل وُزعت الموارد وفق الاحتياجات الفعلية؟ وهل خضعت القرارات للمراجعة والمساءلة؟ وما الدور الذي أداه غياب القيادة السياسية والعسكرية عن الداخل في إضعاف التنسيق بين المؤسسات والجبهات؟

إن وجود القيادة في الداخل لا يضمن وحده الانتصار، لكنه يتيح فرصًا أكبر للمتابعة المباشرة، وتنسيق الجهود، وفهم احتياجات المقاتلين والمواطنين، وممارسة السلطة في إطار مؤسسي أقرب إلى الواقع. أما استمرار الغياب دون نتائج واضحة، فيضاعف الفجوة بين القيادة والناس، ويضعف الثقة بقدرة المؤسسات على تحمل مسؤولياتها.

ولهذا، فإن المطالبة بالعودة ليست مجرد احتجاج على نمط الحياة الذي يعيشه بعض المسؤولين، بل دعوة إلى تغيير طريقة إدارة الدولة والحرب، وإعادة ربط السلطة بمسؤولياتها الفعلية تجاه المجتمع.

لا مبرر لاستمرار الغياب.. ولا قيمة لعودة شكلية

قد يقول بعضهم إن الظروف الأمنية لا تسمح بعودة جميع القيادات، أو إن ممارسة العمل السياسي من الخارج تفرضها طبيعة الصراع. لكن هذه الاعتبارات، حتى عندما تكون جدية، لا ينبغي أن تتحول إلى مبررات دائمة تعطل الواجب الوطني، فهناك قيادات وازنة صمدت في الميدان، وبقت تمارس مهامها من داخل المناطق المحررة، وكان لها أثرها وتأثيرها كبير على الأرض.

فالمطلوب أيضًا ليس عودة شكلية تقتصر على الظهور الإعلامي أو عقد الاجتماعات، وإنما انتقال حقيقي إلى ممارسة المسؤوليات من الداخل، وفق ترتيبات عملية تضمن استمرار عمل المؤسسات، وتوحيد القرار، ومتابعة الجبهات، وتحسين الخدمات، وتعزيز الرقابة على الموارد.

كما أن العودة يجب ألا تكون بديلًا عن المحاسبة؛ فالمسؤول الذي يعود إلى البلاد لا يصبح بذلك معفيًا من الأسئلة المتعلقة بأدائه خلال سنوات الحرب. بل ينبغي أن تكون العودة بداية لمرحلة جديدة من المسؤولية، تُقاس فيها النتائج بمدى تحسن أداء المؤسسات، وتقدم جهود استعادة الدولة، وقدرة الحكومة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

وفي المقابل، لا يكفي أن تعلن السعودية تأييدها لعودة القيادات إذا لم تقترن هذه الدعوة بخطوات عملية ضمن إطار واضح، يحترم استقلال القرار اليمني، ويعزز بناء المؤسسات، ويربط الدعم بتحقيق نتائج قابلة للقياس، ويمنع تحول المساعدات إلى امتيازات غير خاضعة للرقابة.

إن المطلوب من الطرفين تجاوز تبادل الرسائل والعتاب إلى معالجة الأسباب التي أبقت الشرعية بعيدة عن الداخل، وأضعفت قدرتها على أداء وظائفها. فلا يمكن بناء دولة قوية من خلال استمرار اعتمادها على الترتيبات الشخصية، أو الاكتفاء بإدارة أزمتها من الخارج.

الخاتمة: العودة ليست منّة.. بل واجب وطني

لقد طالب اليمنيون بعودة قياداتهم منذ بداية الحرب، وكان مطلبهم واضحًا: أن تعود السلطة إلى الداخل، وأن تُدار الدولة والحرب من أرض الوطن، وأن يتحمل المسؤولون مسؤولياتهم إلى جانب الجيش والمقاومة والمواطنين.

ولم تكن تلك الدعوات رفضًا للدعم الخارجي، بل مطالبة بألا يتحول الدعم إلى بديل عن المسؤولية الوطنية، وألا تصبح العلاقة مع الدول الداعمة مبررًا لاستمرار الغياب أو تعطيل بناء المؤسسات.

وإذا كانت الرياض ترى الآن أن تحرير اليمن مسؤولية اليمنيين، فإن عليها أن تترجم هذا الموقف إلى سياسة تدعم بناء مؤسسات يمنية مستقلة وقادرة على العمل. وإذا كانت قيادات الشرعية جادة في استعادة الدولة، فعليها أن تثبت ذلك بالعودة وتحمل المسؤولية، لا بتجديد الوعود والبحث عن مبررات جديدة.

أما الشعب اليمني، الذي دفع أثمانًا باهظة من أمنه ومعيشته ومستقبل أبنائه، فلا ينبغي أن يظل مطالبًا بالصبر والتضحية إلى ما لا نهاية، بينما تبقى قيادته بعيدة عن أرضه.

فالعودة إلى الوطن ليست منّة من أحد، ولا مكافأة سياسية، ولا خيارًا مؤجلًا إلى أن تصبح الظروف مثالية؛ إنها واجب تفرضه المسؤولية الوطنية. ومن يريد قيادة اليمن واستعادة دولته، فعليه أن يكون حاضرًا بين أبنائه، وأن يتحمل معهم أعباء المعركة، وأن يقبل المحاسبة عن نتائجها.

لقد بُحت أصوات اليمنيين وهم يطالبون بعودة قياداتهم منذ بداية الحرب. والسؤال الذي يجب أن يواجهه الجميع اليوم هو: لماذا احتاج هذا المطلب الوطني الواضح إلى كل هذه السنوات، ولماذا لم يتحول إلى قرار عملي قبل أن تتسع الخسائر وتضيع فرص كان يمكن أن تغيّر مستقبل اليمن؟