الموروث الفقهي بين الثابت الديني والتوظيف السياسي: "سلطان غشوم" و"المفسدة الصغرى" نموذجًا
ليس كل ما يُنسب إلى الدين ديناً، فكثير من الموروث الفقهي هو نتاج اجتهاد بشري تشكل في سياقات تاريخية وسياسية محددة، ثم أُلبس لبوس القداسة والقطعية. وتكمن إشكالية هذا الموروث حين يتحول من رأي فقهي قابل للأخذ والرد، إلى قاعدة آمرة تُستخدم لتأبيد الاستبداد ومصادرة حقوق الرعية.
يهدف هذا المقال إلى مساءلة مقولتين مركزيتين استُعملتا في الفقه السياسي الإسلامي، سنّية وزيدية، في محاولة للكشف عن آليات توظيفهما السياسي وتفكيك بنيتهما المعرفية.
إن كثيراً من المقولات المتداولة في الموروث الفقهي والديني لا تزال تُقدَّم بوصفها مسلمات عقدية وقواعد قطعية لا يجوز الاقتراب منها بالنقد أو المراجعة، بينما هي في جوهرها إشكاليات معرفية (إبستمولوجية) تحتاج إلى تفكيك ومساءلة منهجية. فالسؤال الجوهري الذي تفرضه هذه النقولات ليس عن مشروعيتها الشكلية، بل عن مدى صلاحيتها للتعميم: هل هي أحكام مرتبطة بسياق تاريخي واجتماعي محدد، أم أنها قواعد مطلقة تنسحب على كل العصور والمجتمعات الإسلامية؟
وتتجلى خطورة هذه الإشكالية في بعدها السياسي بشكل خاص. فالحاكم المستبد يجد في هذه المقولات ترسانة شرعية جاهزة - إن جاز التوصيف - لتبرير ظلمه وتسويغ بطشه بمعارضيه. وهنا يأتي دور فقهاء السلطة الذين يضفون عليها قداسة دينية ويحولونها إلى أصل من أصول الحكم.
ومن أبرز هذه المقولات، مقولة "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم". وهذه المقولة تحمل في طياتها مفارقة خطيرة؛ فهي من جهة دعوة صريحة للرضوخ والخنوع والاستسلام للظلم، ومن جهة أخرى هي اعتراف ضمني وصريح بظلم السلطان نفسه. فحين يرددها الفقيه والسلطان والعامة، فإنهم جميعاً يقرون بوجود الغشم والجور، ثم يطالبون بالتعايش معه خوفاً من فتنة مفترضة، فتتحول المقولة من توصيف لواقع استثنائي إلى قاعدة لتأبيد الاستبداد. مع أن الظلم والفتنة كلاهما مر، ويصعب واقعاً ومنطقاً التعايش معه أو العيش تحت وطأته. كما أن المقولة نفسها تضعنا أمام أزمة مفترضة أو مفتعلة، فإما الظلم أو الفتنة، ولا سبيل لمواجهة إحداهما أو كلتيهما. وماذا لو اجتمعت الفتنة والظلم في واقع واحد؟ أو أن إحداهما تسببت في الأخرى أو أفضت إليها، وذلك أمر غير مستبعد، ولا شك أن المصيبة هنا أعظم.
ولا يقل خطورة عنها مقولة "ارتكاب مفسدة صغرى لدرء مفسدة كبرى" في واقع الفعل السياسي. فهذه القاعدة الفقهية التي وُضعت لموازنة المصالح في النوازل الفقهية الضيقة، تحولت في الفقه السياسي إلى ذريعة مفتوحة لمصادرة الحقوق، إذ يجيز الحاكم لنفسه بموجبها قطع أرزاق الناس ومشاطرة أموالهم تحت دعوى "دفع العدو" أو "المصلحة العامة".
وللمسألة شواهد تطبيقية واضحة في الفقه السياسي الهادوي على سبيل المثال. فالإمام عبد الله بن حمزة (ت ٦١٤هـ) الذي خاض حروباً ضارية ضد الأيوبيين في المرتفعات الشمالية من اليمن، أجاز اقتطاع ثلث أموال الرعية للإنفاق على جيوشه. وسار على نهجه الإمام المتوكل على الله إسماعيل (ت ١٠٨٧هـ / ١٦٧٦م) حين فرض ما سماه "المعونة الجهادية" لمشاطرة الناس بعض أموالهم لبسط نفوذه وتوسيع سلطانه على كثير من جهات اليمن. وقد أثارت هذه الممارسة انقساماً حاداً بين فقهاء الزيدية أنفسهم بين مؤيد يرى فيها ضرورة جهادية، ومعارض يراها مصادرة غير مشروعة لحقوق الرعية، ولا مجال هنا لتفصيل ذلك الجدل.
وهذا الإشكال ذاته ينسحب تماماً على بعض أدبيات الفقه السياسي السني. فمقولة "سلطان غشوم خيرٌ من فتنة تدوم" لم تكن مجرد رأي فقهي، بل تحولت إلى أيديولوجيا شرعنت للسلاطين تاريخياً سياساتهم، وجعلت الرعية تذعن لجورهم وتستكين لظلمهم ما دام السلطان لم يأمر بـ "كفر بواح". وبذلك تم اختزال مفهوم الشرعية السياسية في مجرد النطق بالشهادتين، وإسقاط كل مقتضيات العدل والشورى والمساءلة.
خاتمة:
إن ما سبق يكشف أن الإشكالية ليست في النص الديني المؤسس، بل في تأويله وتوظيفه. فحين تتحول القواعد الفقهية الظرفية إلى عقائد دائمة، فإنها تتحول من أدوات لضبط الواقع إلى أدوات لقهره. ومن هنا فإن نقد مقولات مثل "السلطان الغشوم" و "المفسدة الصغرى" ليس مساساً بالدين، بل هو استعادة للدين من قبضة التوظيف السياسي، وفتح للباب أمام فقه سياسي جديد يستند إلى قيم العدل والحرية والكرامة، بدلاً من فقه يشرعن الاستبداد خوفاً من فتنة موهومة، فيوقع الأمة في فتنة الظلم ذاته.



