الثلاثاء 3 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • تجريب المجرّب خطأ والتصحيح بمن تلوّثوا بالفساد خطأ مرتين

تجريب المجرّب خطأ والتصحيح بمن تلوّثوا بالفساد خطأ مرتين

تستحق تعز، بما قدمته من تضحيات وما أظهره أبناؤها من صمود، مراجعة جادة تعيد الاعتبار للمؤسسة العسكرية والأمنية، وتضع مصلحة الوطن فوق مصالح الأحزاب والجماعات والأشخاص. فبطولات المقاتلين لا يجوز أن تصبح غطاءً لأخطاء القيادات، وتضحيات الناس لا ينبغي أن تتحول إلى رصيد يستثمره المتنافسون على النفوذ.

إن الوفاء لتعز يبدأ بالتمييز بين المقاتل الذي ثبت في موقعه دفاعًا عن مدينته وأهله، وبين من يستغل موقعه العسكري لبناء سلطة شخصية أو حزبية. والحديث عن التصحيح لا ينتقص من تضحيات الأبطال؛ بل يحميها من الهدر، ويمنع استمرار الأخطاء باسم المعركة أو تحت ذريعة تأجيل المحاسبة.

لقد آن الأوان لأن تُبنى المؤسسة العسكرية على الكفاءة والانضباط والتأهيل، وأن يتولى قيادتها عسكريون وطنيون مؤهلون، يعرفون واجباتهم وحدود سلطاتهم، ويخضعون للمساءلة. فالجيش مؤسسة للدولة، وسلاحه أمانة لحماية الشعب، وقراره يجب أن يصدر عن قيادة وطنية مسؤولة.

ومن حق أي مواطن أن يلتحق بالقوات المسلحة وفق القانون، لكن انتقال المدني إلى العمل العسكري يقتضي التدريب والتأهيل والتدرج وتحمل المسؤولية. أما منح الرتب بالمجاملة أو الولاء أو النفوذ، فهو إهدار لمكانة الرتبة، وظلم لمن أفنوا سنواتهم في الدراسة والخدمة العسكرية.

الرتبة العسكرية ليست زينة اجتماعية ولا مكافأة سياسية؛ إنها معرفة وخبرة وانضباط ومسؤولية عن أرواح الناس. ولذلك، فإن أي إصلاح جاد يجب أن يشمل مراجعة ملفات الترقيات والتعيينات، وإلغاء ما ثبت منحه بالمخالفة للقانون عبر الجهات المختصة والإجراءات العادلة، مع حفظ حقوق المستحقين وإتاحة التأهيل لمن تتوافر فيهم شروط الخدمة.

كما أن حياد الجيش يقتضي منع توظيف المواقع والوحدات والسلاح لخدمة حزب أو جماعة أو طائفة. فالمعيار هو الالتزام بالقسم العسكري والدستور والقانون، وألّا يعلو أي توجيه حزبي أو شخصي على واجب حماية الوطن والمواطنين.

ولا يستقيم التصحيح إذا أُعيد تقديم من ثبت فسادهم أو إخفاقهم بوصفهم قادة لمرحلة الإنقاذ. فتبديل المواقع والأسماء لا يصنع إصلاحًا ما دامت أدوات الإدارة ومعايير الاختيار وأساليب المحاسبة على حالها. تجريب المجرّب خطأ، والتصحيح بمن تلوّثوا بالفساد خطأ مرتين.

والمحاسبة التي نحتاجها تقوم على الوقائع والأدلة والمسؤولية الفردية؛ فلا تعميم يظلم الشرفاء، ولا حصانة تحمي المخطئ بسبب انتمائه أو نفوذه. ومن ثبت إخلاصه وكفاءته يستحق الدعم والتقدير، ومن ثبت تجاوزه يتحمل تبعات أفعاله، مهما كان موقعه.

وفي قلب هذه الدعوة، تبقى التحية واجبة لأبطال تعز الصامدين الذين مرغوا أنف العدوان الحوثي في التراب، ودافعوا عن مدينتهم وأهلهم في أقسى الظروف. وتحية لكل الأبطال في ألوية العمالقة ودرع الوطن وقوات الطوارئ، ولأبطال الجيش الوطني في مأرب والجوف والبيضاء، وفي كل موقع يدافع فيه يمني عن وطنه وكرامة شعبه.

وتحية لكل مقاتل هدفه اليمن، وتجمعه باليمنيين قيم الحرية والكرامة والعدل والقيم الدينية والوطنية، ويؤمن بأن شرف السلاح في حماية الناس وصون حقوقهم.

إن اليمن يحتاج إلى دولة تستعيد مؤسساتها، وجيش يحفظ لكل تضحية معناها، وقيادة تمنح الأكفاء فرصتهم وتمنع إعادة إنتاج الفشل. ومن تعز، المدينة التي دفعت كثيرًا، يجب أن يرتفع مطلب واضح: تصحيح وطني يحمي الأبطال، ويحاسب المتجاوزين، ويعيد للمؤسسة العسكرية مكانتها، وللمواطن ثقته بأن تضحياته تفتح طريقًا إلى دولة عادلة.