قد تنتهي الحرب وتبقى الكراهية
ليست الحرب هي التي تحصد الأرواح فقط، بل تلك التي تزرع الحقد في العقول، وتخلق المبررات لقتل اليمني لأخيه اليمني. فالمعارك قد تتوقف، والجبهات قد تهدأ، لكن الحرب الحقيقية قد تستمر داخل النفوس، حيث تبقى الكراهية حاضرة، ويظل المختلف في نظر البعض عدوًا يستحق الإقصاء، لا إنساناً له حق الاختلاف والكرامة.
في يمننا، لم تتوقف المأساة عند حدود الاقتتال والمعارك، بل امتدت إلى الإعلام والصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي، وتداخلت فيها الخلافات المذهبية والطائفية والمناطقية والسياسية، حتى تحولت في بعض الخطابات إلى هويات متصارعة، يُستباح باسمها الإنسان، وتُنتقص حقوقه، وتُهان كرامته. وهكذا أخذت المسافة تتسع بين أبناء الوطن الواحد، حتى أصبح بعضهم ينظر إلى الآخر من خلال انتمائه، لا من خلال أخلاقه ومواقفه وأفعاله.
لقد فقدنا كثيرًا مما يجمعنا، وتركنا للخلافات مساحة أكبر مما تستحق، حتى غدا الانتماء إلى الجماعة أو الحزب أو القبيلة أو المنطقة عند البعض مقدمًا على الانتماء الوطني، وأحيانًا على قيم الدين والعدل والإنصاف. وهنا تكمن خطورة الكراهية؛ فهي لا تكتفي بصناعة عدو في الحاضر، بل تهيئ أعداء للمستقبل أيضًا. فالحرب في الجبهات قد تقتل إنسانًا، أما الكلمة المحرضة فقد تزرع في العقول استعدادًا متجددًا للعنف، وتجعل الصراع قابلًا للتكرار حتى بعد أن يضع المتحاربون أسلحتهم.
وفي اليمن، لم يعد الصراع محصورًا في الخلاف على السلطة أو اختلاف البرامج السياسية، بل تسلل إلى نظرة اليمني إلى أخيه اليمني. فأصبح بعض الناس يُحاكمون غيرهم بحسب مناطقهم ومذاهبهم وانتماءاتهم، قبل أن يعرفوا مواقفهم أو أخلاقهم أو حقيقة ما يؤمنون به. وصار الانتماء في بعض الخطابات تهمة جاهزة، والاختلاف دليلًا على الخيانة، والخصومة السياسية مبررًا للطعن في النيات والعقائد. وهنا تبلغ المأساة ذروتها: أن يصبح اليمني غريبًا في وطنه، لا لشيء إلا لأنه يحمل اسمًا مختلفًا، أو يأتي من منطقة أخرى، أو ينتمي إلى تيار لا يرضى عنه خصمه.
والأخطر أن بذور هذه الكراهية قد تُزرع منذ الطفولة، حين يتربى الطفل على احتقار المختلف، ويُلقَّن أن من لا يشبهه في المذهب أو الرأي أو الانتماء أقل استحقاقاً للاحترام. وبدلًا من أن نورث أبناءنا العبرة من مآسي التاريخ، ونعلّمهم كيف يتجنبون أخطاء الماضي، نورثهم أحيانًا أسباب تكرار تلك المآسي، ونضع في عقولهم بذور خصومات لم يصنعوها، ولا يعرفون كيف بدأت، ولا لماذا ينبغي أن تستمر.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تحوّل التواصل عند البعض إلى قطيعة، وأصبحت الكراهية تنتقل بين الناس بضغطة زر، ويتحول المنشور إلى ساحة للتحريض، والتعليق إلى وسيلة للإهانة، والاختلاف إلى معركة لا تنتهي. يروّج بعض المتطرفين للكراهية باسم العقيدة، ويبررها بعض السياسيين باسم المصالح، ويمنحها بعض المثقفين غطاءً فكرياً زائفاً. وهكذا تُستغل المعرفة بدل أن تكون وسيلة للتنوير، وتُوظف المقدسات لتبرير الإقصاء، بدلًا من أن تكون دافعًا إلى العدل والرحمة وصون كرامة الإنسان.
وليس كل اختلاف تعصبًا، ولا كل خلاف مذهبي أو سياسي سببًا للصراع، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الاختلافات إلى أدوات للتعبئة والتحريض، وعندما تصبح الهوية وسيلة لتصنيف الناس والحكم عليهم قبل معرفة مواقفهم وأفعالهم. فالمشكلة ليست في تعدد المذاهب والمناطق والاتجاهات، وإنما فيمن يحول هذا التعدد إلى سلاح، ويجعل من الاختلاف ذريعة للعداء بدلًا من أن يكون فرصة للتعارف والتكامل.
والكراهية لا تنمو دائمًا من تلقاء نفسها، بل قد تجد من يغذيها ويوجهها ويستفيد من استمرارها. فهناك من يحتاج إلى عدو دائم ليبرر فشله، ومن يستدعي المذهب والمنطقة والقبيلة كلما عجز عن تقديم مشروع وطني جامع، ومن يرفع شعارات الهوية ليحشد الناس خلف مصالحه. وحين تصبح الكراهية وسيلة للبقاء في السلطة أو الاحتفاظ بالنفوذ، لا يعود الانقسام مجرد نتيجة للحرب، بل يتحول إلى مصلحة لدى بعض المستفيدين منها. وهنا يحق لنا أن نسأل: من الذي يربح من تمزيق المجتمع، ومن الذي يدفع الثمن؟ إن المواطن الذي يخسر أمنه ورزقه وعلاقاته هو الذي يدفع الثمن الأكبر، بينما يواصل المتاجرون بالخلافات تسويق خصوماتهم وكأنها معارك لا يجوز أن تنتهي.
إن حرية التعبير والكلمة والمجادلة بالتي هي أحسن لا تعني منح أحد حق التحريض أو الإهانة أو تهديد الآخرين. فالاختلاف لا يسقط الحقوق، والخصومة لا تبرر الظلم، والانتماء لا يمنح صاحبه حصانة من النقد أو المساءلة. وكرامة الآخر ليست امتيازًا تمنحه جماعة وتسحبه أخرى، وليست هبة من سلطة أو حزب أو مذهب، بل حق أصيل لكل إنسان، لا ينتقص منه اختلاف الدين أو المذهب أو المنطقة أو الرأي.
وليس المطلوب أن نتشابه في معتقداتنا وآرائنا وانتماءاتنا، بل أن نتساوى في الكرامة والحقوق، وأن نحتكم إلى الحجة بدل التخوين، وإلى القانون بدل الانتقام، وإلى العدالة بدل منطق الغلبة. فالمواطنة الحقيقية لا تقاس بمدى قرب الإنسان من هذه الجماعة أو تلك، ولا بقدرته على ترديد شعاراتها، وإنما تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات، واحترام القانون، وصون كرامة الجميع دون تمييز أو انتقائية.
فالوطن الذي يتسع لأبنائه لا ينبغي أن تضيق فيه صدورهم باختلافاتهم. وليس من المنطق أن نتحدث عن الوحدة ونحن نغذي أسباب الفرقة، أو نرفع شعارات الأخوة بينما نمارس الإقصاء، أو ندعي الدفاع عن الدين والوطن ونحن نبرر الإساءة إلى الإنسان بسبب هويته. إن انهيار الثقة بين أبناء المجتمع قد يسبق انهيار المؤسسات، وحين يتحول الناس إلى جماعات تخشى بعضها بعضًا، يصبح إصلاح ما أفسدته الكراهية أصعب من إعادة بناء ما دمرته الحرب من بيوت وطرقات.
ولا يكفي أن نطالب الناس بالمحبة بينما نترك أسباب الكراهية قائمة؛ فلا بد من تعليم يحرر العقل من التعصب، وإعلام لا يتاجر بالأحقاد، وخطاب ديني وأخلاقي يصون الإنسان من الاستغلال، وقوانين عادلة تحمي الحقوق وتواجه التحريض على العنف دون انتقائية أو انتقام جماعي. كما يجب أن يتحمل المثقفون والإعلاميون والسياسيون ورجال الدين مسؤوليتهم الأخلاقية، لأن الكلمة التي تصدر عن صاحب تأثير قد تبني وعيًا أو تهدمه، وقد تقرب بين الناس أو توسع الهوة بينهم.
وفي نهاية المطاف، من يدفع ثمن هذه الكراهية؟ إنه المواطن الذي كان جاره صديقًا، وزميله أخًا، ورفيق دراسته شريكًا في الأحلام، فإذا به يجد نفسه مطالبًا بتبرير هويته والدفاع عن منطقته وإثبات حسن نياته لمجرد أنه مختلف. وقد تتسع المسافة بين شخصين بسبب خلاف سياسي لا يملكان قرار إنهائه، أو بسبب خطاب مذهبي لم يختارا أن يكونا جزءًا منه. وهكذا لا تكتفي الحرب بتدمير البيوت والطرقات، بل تهدم الجسور التي تربط الناس بعضهم ببعض، وتجعل استعادة الثقة أصعب من إعادة بناء الحجر.
وهذا يرتبط بما كتبته سابقًا عن فقدان الحاضنة؛ فحين تفقد الجماعات قدرتها على احترام اختلاف المجتمع، وتتعامل مع الناس بمنطق الولاء والعداء، فإنها لا تخسر ثقة المواطنين فحسب، بل تضعف الروابط الاجتماعية التي يحتاج إليها أي مشروع وطني للاستمرار. فلا يمكن بناء وطن مستقر على الخوف، ولا إقامة سلام دائم على الإقصاء، ولا استعادة ثقة الناس بخطابات تجرحهم ثم تطالبهم بالاصطفاف خلف أصحابها.
إن مسؤولية المثقفين تبدأ من الكلمة: ألا يكونوا أدوات لنشر التحريض، ولا شهود زور على الظلم، ولا جسورًا تعبر فوقها الكراهية إلى عقول الآخرين. كما أن مسؤولية كل مواطن تبدأ من رفض تحويل الاختلاف إلى خصومة، ومن التوقف عن إصدار الأحكام على الناس بحسب انتماءاتهم، ومن الدفاع عن حق المختلف في الكرامة والعدل، حتى عندما لا نتفق معه في الرأي أو الموقف.
فالأوطان لا تنهض بانتصار جماعة على بقية مكوناتها، بل بقيام العدل الذي لا يجعل أحدًا سيدًا بفضل هويته، ولا يجعل آخر أقل كرامة بسبب اختلافه. واستعادة اليمن لا تبدأ بوقف الحرب وحده، بل باستعادة ثقة اليمنيين بعضهم ببعض، وإعادة الاعتبار للمواطنة، وتحرير الوطن من منطق الخصومات التي تجعل أبناءه غرباء في أرضهم، وخصومًا في حاضرهم، وورثة لأحقاد لم يصنعوها.
إن الحرب قد تنتهي بصمت المدافع، لكن السلام لا يبدأ إلا حين يتوقف الإنسان عن رؤية أخيه عدوًا لمجرد أنه مختلف عنه. وقد ننجح في إسكات البنادق، لكننا لن ننجح في بناء وطن آمن مادامت الكراهية تجد طريقها إلى العقول، ومادام الأبناء يتعلمون من خصومات الكبار كيف يكرهون، بدلًا من أن يتعلموا كيف يتعايشون.
فلنختلف كما نشاء، ولنتحاور كما نريد، لكن لا نحول اختلافنا إلى رخصة للإهانة، ولا عقائدنا إلى أسلحة، ولا أبناءنا إلى ورثة لخصومات لم يصنعوها. فاليمن لا يحتاج إلى جيل جديد يتقن الكراهية، بل إلى جيل يتعلم كيف يحمي وطنه من تكرار مآسيه، ويؤمن بأن أخاه اليمني، مهما اختلف عنه، ليس عدوًا لمجرد الاختلاف، بل شريك له في الأرض والحقوق والمصير.



