بين ارتهان الشرعية وتسلط الأمر الواقع: المواطن اليمني في مقصلة الخيارات الصعبة
يمر وطننا الغالي بواحدة من أدق وأخطر المراحل في تاريخه الحديث، مرحلة لم تعد تقتصر فيها المعاناة على الجانب الاقتصادي أو المعيشي فحسب، بل تمتد لتخنق الهوية والسيادة والقرار الوطني. إن المشهد اليمني اليوم بات محاصرًا بين فكي كماشة لا ترحم: "شرعية مرتهنة" عجزت عن فرض سيادتها وحماية قرارها، و"سلطة أمر واقع" متسلطة لا ترى في الوطن سوى غنيمة، وفي المواطن سوى وقود لمشاريعها الخاصة.
حين نتحدث عن "الشرعية"، فإننا نتحدث بمرارة عن آمال عريضة علقها أبناء الشعب على مؤسسات الدولة الدستورية، لكن الخيبات توالت. لقد تحولت هذه الشرعية، مع مرور سنوات الصراع، إلى كيان مرتهن لحسابات إقليمية وتجاذبات خارجية، مجردة من الإرادة الحرة في إدارة ملفات البلاد السياسية والاقتصادية. هذا الارتهان لم يسلبها فقط القدرة على الحسم، بل عزلها عن نبض الشارع وعن معاناة المواطن الذي يكتوي بنيران الغلاء وتدهور العملة الوطنية، في وقت تكتفي فيه قيادات هذه الشرعية بالإقامة في العواصم الخارجية، بعيدًا عن تراب الوطن وهموم شعبه.
وعلى الضفة الأخرى، تقف "سلطات الأمر الواقع" كنموذج صارخ للتسلط والقمع. إنها سلطات لا تستمد مشروعيتها من صناديق الاقتراع أو التوافق الوطني، بل من فوهات البنادق وسياسة فرض الأمر الواقع بقوة الحديد والنار. في مناطق سيطرتها، تحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات للجباية، واستُنزفت مقدرات المواطن عبر إثقال كاهله بضرائب وإتاوات لا تنتهي، دون تقديم أدنى الخدمات الأساسية. هذا التسلط لم يكتفِ بتجويع الشعب، بل عمد إلى تكميم الأفواه، ومصادرة الحريات العامة والخاصة، وتحويل المجتمع إلى سجن كبير يُجرّم فيه النقد ويُخوّن فيه أصحاب الرأي الحر.
إن هذا المشهد السريالي يضع الإعلامي والصحفي اليمني أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية جسيمة. لم يعد مسموحًا لنا أن نكون شهود زور أو أن نصمت محاباةً لطرف على حساب آخر. فالارتهان والتسلط وجهان لعملة واحدة؛ عملة تدفع باليمن نحو مزيد من التمزق والانهيار والتلاشي.
المواطن اليمني اليوم لا يبحث عن شعارات رنانة، ولا عن وعود جوفاء تطلقها فنادق الخارج، كما أنه يرفض لغة الاستعلاء والترهيب التي تمارسها قوى الداخل. إن ما يريده هذا الشعب الصابر هو دولة مواطنة متساوية، دولة تمتلك قرارها السيادي المستقل، وتخضع للمساءلة والقانون، وتحمي كرامة الإنسان وحريته.
ختامًا، يجب أن ندرك جميعًا أن الخروج من هذا النفق المظلم لن يأتي عبر المراهنة على الأطراف المرتهنة للخارج، ولا بالاستسلام لسلطات القمع في الداخل. إن المخرج الوحيد يكمن في استعادة الإرادة الوطنية الشعبية، وفي اصطفاف القوى الحية والإعلام الحُر لإعلاء صوت العقل والسيادة. لقد حان الوقت لنقول بصوت واحد: كفى ارتهانًا يفرط بالسيادة، وكفى تسلطًا يخنق كرامة اليمني. اليمن يتسع لجميع أبنائه، ولا يمكن لبنائه أن يستقيم إلا بأيادٍ يمنية حرة ونزيهة، تنتمي للأرض والإنسان وحدهما.



