السبت 24 أكتوبر 2026

ما الذي بقي لتعز كي تحتمله؟

احتاج اليمن إلى تعز كي يتعلم ويبني، لكنه تركها طويلا تواجه وحدها سؤال البقاء. كانت تعز رئته الثقافية والذاكرة التي اتسعت لأسئلة الحرية والتغيير. المدينة التي خرج منها رجال أسهموا في تشكيل الحياة السياسية والفكرية، وجدت نفسها محاصرة، تضيق طرقها وتتسع فيها مساحات الخوف.

تعلم الناس فيها تدبير يومهم على إيقاع القصف، وحفظوا الطرق البديلة في ظل الحصار. كل قذيفة تسقط على تعز ترفع معها احتمالاً لانتزاع عائلة من حياتها المستقرة، بينما تمضي الحرب وفق جدولها الخاص، تاركة للمدينة مهمة إحصاء الخسائر وتدبير ما تبقى.

تترك القذائف آثارها على البيوت وحياة العائلات داخل الأحياء السكنية، ويصبح المنزل نفسه عرضة لفقدان الأمان ومع تكرار الهجمات، يتسلل الخوف إلى التفاصيل. ينتظر السكان مرور الساعات الليلية بسلام، من دون أن يوقظهم قصف جديد. حتى الماء الذي يفترض أن يكون من أبسط حاجات الحياة، أصبح مهمة يومية شاقة. تعطلت مصادر الإمداد وازدادت مشقة الحصول عليه.

وتظهر صورة أخرى للحصار في المستشفيات من خلال العجز عن توفير احتياجات المرضى، أو في اضطرار أسرة للوصول بمريضها إلى مكان أكثر أماناً. عندها تبدو الحرب أبعد من خطوط القتال. إنها تصل إلى المطبخ والمستشفى وخزان الماء، وتقتطع من حياة الناس كل يوم جزءا جديداً.

ليس من المقبول أن تترك مدينة تحت القصف، وأن يعيش أهلها أسرى طرق مغلقة ومخاوف تتجدد كل ليلة. ما يتعرض له سكان تعز لا يعفي أحدا من مسؤوليته تجاههم وليس من المنطقي أن تتحول قدرتهم على الاحتمال إلى مبرر لتركهم وحيدين في مواجهة ما يتعرضون له.

تستمر الحياة في تعز بجهد يومي يستنزف أعصاب السكان وأرزاقهم. وقد تُفسَّر قدرتهم على الصمود باعتبارها دليلاً على احتمال المزيد، فتتحول معاناتهم إلى مساحة إضافية للمناورة في حسابات الصراع. أما العائلات، فتدفع ثمن القذائف والحرمان وتضاؤل فرص العيش، بينما يمضي أصحاب السلاح في حساباتهم.

تستحق المدينة التي منحت اليمن شيئا من قدرته على التفكير والحلم، أن تعيش خارج حسابات الحصار والموت، فما يواجهه أهلها كل يوم، ليس دليلا على أن بوسعهم احتمال المزيد. سنوات الحرب كانت كافية لتخبر الجميع بما احتملته تعز. أما تركها تقاوم وحيدة، فتعني ببساطة أن تبقى بيوت سكانها مفتوحة على الخطر، وأن يظلوا هم من يدفع الفاتورة.